Leyali Satih
سطيح
سطيح
ليالي سطيحتأليف
محمد حافظ إبراهيم
سطيححدث أحد أبناء النيل قال:
ضاقت عن النفس مساحتها لهم نزل بي، وأمر بلغ مني، فخرجت أروح عنها وأهون عليها، فما زلت أسير والنيل حتى سال ذهب الأصيل، فإذا أنا من الأهرام أدنى ظلام،
وقد فتر مني العزم، وسئمت الحركة، فجلست أنفس عني كرب المسير، واضطجعت وما تنبعث في جارحة من التعب، وكنت من نفسي في وحدة الضيغم،
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى
وصوت إنسان فكدت أطير
فرددته ما شئت، وتغنيت به ما استطعت، وقلت: أي والله، لقد صدق القائل: ما خلق الله خلقا أقل شكرا من الإنسان، ولا أطبع منه على افتراء الكذب والبهتان.
ثم مر بالخاطر بيت آخر:
تباركت أنهار البلاد سوائح
بعذب وخصت بالملوحة زمزم
فنقلت إليه متاعي، وحولت حاشيتي، وما متاعي غير الأماني السانحة، ولا حاشيتي سوى الهموم الفادحة، ولبثت أتفيأ من ظلاله، وأتأمل في حسن أشكاله.
وإني لكذلك إذ سطعت ريح كريهة انهزم أمامها النسيم، وانقبض لها صدر الجو، وتعبس بها وجه النهر، فعلقت أنفاسي، ولكن بعد أن نالني منها ما صدع الرأس، وغشي البصر.
ولما أفقت من هذه الغشية، وانجلت تلك الغاشية، نظرت فإذا أصل البلاء جيفة فوق وجه الماء، فغاظني ما أرى، وهاجني ما أشم، وقلت أخاطب النيل: «ويحك إلى متى يسع حلمك جهل هذه الأمة المكسال، وإلى كم تحسن إليها وتسيء إليك. علمت أن سيكون منك الوفاء، فلم تحرص على ودك، واتكلت على حلمك، وبالغت بعد ذلك في عقوقك. ولقد كانت ترجو في سالف الدهر خيرك، وتتقي شرك، فتحتفل في مهاداتك، وتتحامى طريق معاداتك.
أذاقتك وصال الحسان، وخالفت فيك شريعة الديان، وأرشفتك رضابا أعذب من مائك، وأحلى من وفائك، ثم غيرها عليك الزمان، فجادتك بعرائس الطين بعد عرائس الحور العين، وأمعنت في العقوق، فجعلتك مصرفا لفضلات البطون، ثم أمعنت في العقوق فصيرتك مقبرة للجيف ؛ لتصبح بذلك مجرى للبلاء، ومستودعا للوباء.
سبحانك اللهم! هذه زمزم على ملوحتها قد عزت بجوار بيتك القديم، فتهادى بمائها القصاد، وحملوه إلى أقصى البلاد، وحرص أهلها على عينها حرص المرء على عينه. وهذا النيل على عذوبته قد ذل بجوار قوم أهانوه، ولو كان عند غيرهم لعبدوه، وتالله، لو جرى في غير مصر لبنوا عليه أسوارا من النفوس، وأقاموا عليها حرسا من الضمائر.
أف لتلك الأمة جهلت قدر محبيها! ولم تعلم أن من مجراه تجري عليها هذه الأرزاق، ومن حمرة مائه تخضر تلك الأوراق. أف لها ما أقل شكرانها، وأكثر كفرانها! ينبغ فيها النابغة فينبعث أشقاها للطعن عليه، فلا يزال يكيد له حتى يبلغ منه، ويكتب فيها الكاتب فينبري له سفيهها، فلا يفتأ ينبح عليه حتى ينشب فيه نابه، ويفسد عليه كتابه، ويشعر فيها الشاعر فيحمل عليه جاهل، فلا ينفك عنه حتى يغلبه على أمره، ويقهره على شعره.
