Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Leyali'r-ruhi'l-hair

ليالي الروح الحائر
Muhammed Lutfi Cum'a
۩
ليالي الروح الحائر
محمد لطفي جمعة
Edebiyat & Roman
ليالي الروح الحائر

تأليف

محمد لطفي جمعة

إهداء الكتاب

إلى شبان مصر النجباء أهدي كتاب «ليالي الروح الحائر»، كتبتها إذ كنت أعيش بينهم، وأشعر بعواطفهم، وتداخل نفسي الشكوك التي تخالج نفوسهم الفتية؛ فلعلهم يجدون في صحفه أجوبة للأسئلة التي يحارون في الجواب عليها، ولعل صرخات الروح الحائر تصل إلى أعماق قلوبهم كما خرجت من أعماق قلبه!

محمد لطفي جمعة

القاهرة في 5 مارس سنة 1912

الليلة الأولى

رثاء صديق

كنت منذ أيام قليلة جالسا على حجر من أحجار الهرم الأكبر، وأدرك غروب الشمس فغابت وراء الرمال المتراكمة على حدود الصحراء، وتركت وراءها خيوطا من الذهب تنم عن مخبئها، وامتدت تلك الخيوط إلى النيل الجاري في سفح الأهرام فصبغته بلون قرمزي، وكانت القاهرة بمآذنها وقبابها وقصورها وحدائقها وأهلها تبدو كصورة منقوشة في الوادي، وحولها جبل المقطم كأنه سور يحمي مدينة الخلفاء، وبرأسه حصن صلاح الدين العتيق كأنه أسد رابض على قمة الجبل يرنو إلى المدينة المحروسة، وكان بيني وبين القاهرة سبيل ممهد تحف به الأشجار يقربه النظر للرائي، أما منظر النيل وهو محيط بتلك الطريق فلم يكن أجمل منه شيء.

ولما أن أشبعت نفسي بهذا الجمال نظرت إلى ما ورائي، فإذا الصحراء الكبرى بمفاوزها ودروبها الخفية تصافح المدينة ويوفق بينهما النهر العظيم كما يوفق الحب بين البدوي والحضرية، فوقفت بين يدي الطبيعة خاشعا خاضعا أنظر إلى البر تارة وإلى النهر أخرى، وأرفع ببصري مرة إلى قمة الهرم فيغلي دمي في عروقي غيظا من رافع بنيانه وواضع جدرانه؛ لأن صخوره دموع متحجرة ذرفها شعب شقي إنجازا لشهوة ملك ظالم، ثم أخفض به إلى القاهرة وهي في السهل، ساكنة هادئة كأنها باقة من أزهار شتى في يد الوادي، يشمها أبو الهول بأنفه ويسقيها النهر بمائه؛ خوفا عليها أن تذبل أو تذوي.

أسدل الليل ستاره، ولبست الصحراء ثوبا من سواد بنفسجي، وسمعت نعيب طيور الظلام، وتجلت مدينة القاهرة في ثوب المساء المزركش بالذهب، ثم لحقتني هزة فاغرورقت عيناي بالدموع عندما نظرت وراء الجبل؛ لعلي أرى مدينة الأموات حيث يرقد أبناء الجيل الماضي وبعض أبناء هذا الجيل في بيوت ضيقة مظلمة، نظرت إلى حيث ظننت المقابر وقلت: هنا في حفرة من حفائر تلك البقعة ينام صديقي وحيدا منفردا عن المدينة وغوغائها! ولم يبق منه إلا عظام نخرة، لم يبق من رأسه الذي كان ممتلئا حزما، وعينيه المتقدتين عزما، وفمه الذي كان يتدفق منه الدر والجوهر، وصدره المملوء بالآمال والأماني، وقلبه الكبير، ويده الأبية، وقدمه التي لم تسع إلا إلى مكرمة؛ إلا جمجمة خاوية، ومحاجر غائرة، وفكان من العظم النخر، أما مكمن القلب ومسرح الآمال وموطن الأماني فقد أمسى قفصا من العظام خاليا، ويده تلك اليد كانت تجود بما تملك وتكتب ما تملي عليها النفس المشتعلة فقد خمدت قوتها وتبددت قبضتها وتلاشت أناملها! هذا كل ما بقي من صديقي مصطفى! ولكن كلا، إن ما بقي هو أثر ما كنا نراه ونلمسه، أما النار التي كنا نشعر بوجودها فيه ولا نلمسها، نرى لهيبها ولا نراها، نحس باشتعالها ولا نفهم معناها؛ فقد ذهبت إلى مكان غير هذا القبر، بل هي لا تزال مشتعلة في حيز لا أعرفه ولا أعرف أين هو! أيذهب صاحبي كمن جاء وذهب؟ ألا يسمع أبناء الأجيال القادمة آهته التي اخترقت نفسي ليحزنوا كما حزنت ويتألموا لتلك النفس الهائمة كما تألمت؟ إني أذكر اليوم الذي كنا به معا في سفينة في النيل، وكنا نقرأ حياة أحد العظماء كتبها صاحب له، فقال لي: عدني وأعدك. قلت: بماذا؟ قال: إذا مت قبلك أن تكتب عني كتابا يكون سلوى أمثالي الحزانى الذين لا يسمع صوتهم إلا من القبور، وإذا مت أنت قبلي أن أكتب عنك كتابا يبكي من يقرؤه. قلت: أعدك، ولكن ماذا جلب إليك تلك الأفكار السوداء؟ قال: لا تقل سوداء، إن أملي في الخلود عظيم، ولكن أريد أن أستعطف الإنسانية على إخواني الذين يسوء حظ نفوسهم بما تؤتاه من قوة واشتعال، فيذهبون فريسة النار الكامنة، ولعل في قصتي عبرة للمعتبرين. قلت: أعدك.