Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Ma Vera'e'n-Nehr

ما وراء النهر
Taha Huseyin
۩
ما وراء النهر
طه حسين
Edebiyat & Roman

ما وراء النهر

ما وراء النهر

ما وراء النهر

تأليف

طه حسين

ما وراء النهر

لست أدري أين وقعت أحداث هذه القصة، ولكني أقطع بأنها لم تقع في مدينة القاهرة، فقد تتبعت شاطئ النيل كله في هذه المدينة، فلم أجد ربوة شديدة الارتفاع والاتساع، يقوم عليها قصر فخم ضخم شاهق في السماء، ويتكاثف فيها شجر باسق ملتف يظل ضروبا من النجم لا تعد، وفنونا من الزهر لا تحصى، وهذه الربوة المرتفعة الواسعة تنحدر في يسر إلى النهر، كأنما تسعى للقائه، أو كأنما تيسر للشجر والزهر السعي للقائه ...

لم أجد على شاطئ النيل في القاهرة هذه الربوة ولا شيئا يشبهها؛ ووجود هذه الربوة شرط أساسي لوقوع الأحداث التي تعرضها هذه القصة، فما أظنك تخالفني في أن ما يمس الإنسان من الأحداث وما يصور هذه الأحداث من قصص لا يمكن أن يتم إلا إذا كان له مكان معروف بحدوده وأوصافه. وقد وقعت أحداث هذه القصة في مكان، ما في ذلك شك، بل وقعت في هذا المكان الذي وصفته وصفا موجزا. وأكاد أعتقد أن هذا المكان نفسه هو الذي أنشأها، وهو الذي ابتكر أحداثها ودفع أشخاصها إلى إجراء هذه الأحداث.

وقد علمنا النقاد منذ عهد بعيد أن هناك صلة متينة دقيقة بين أقوال الناس وأعمالهم، وبين البيئة التي يعيشون فيها ويتأثرون بدقائقها في حياتهم اليومية، ولو قد عاش أشخاص هذه القصة في دار متواضعة أو في قصر يقوم على الأرض المنبسطة السهلة - لا على هذه الربوة المرتفعة التي تمتاز مما حولها من الأرض، وترفع قصرها فوق ما حولها من القصور والدور، وتنحدر بشجرها وزهرها في سذاجة ويسر إلى النهر - أقول: لو قد عاش أشخاص هذه القصة في دار متواضعة أو قصر يقوم على السهل لما أجروا ما أجروا من الأحداث، ولما أصابهم ما أصابهم من الخطوب.

فغرفات القصر وحجراته، وأفنية القصر وأبهاؤه، وهذه الدهاليز الكثيرة الملتوية، وهذه النجوم المتقابلة المتدابرة، وهذا الزهر المنسق المنمق، كل أولئك قد فرض على أهل القصر لونا أو ألوانا من الحياة لم يكونوا يستطيعون إلا أن يخضعوا له ويسلكوا في سيرتهم ما يلائمه، وكل أولئك قد أغرى هذا الشخص أو ذاك من أشخاص القصة بهذا العمل أو ذاك من أعماله، وبهذا القول أو ذاك من أقواله، بحيث لم يكن بد من أن تحدث هذه الأحداث في هذا المكان المقسوم لها دون غيره من الأمكنة، وإلا لبطلت قواعد الفن، ولفسد التاريخ الأدبي، ولذهب الأدباء بإنتاجهم الأدبي كل مذهب وسلكوا به كل سبيل، لا يخضعون لأصل من الأصول، ولا يتقيدون بقانون من القوانين التي وضعها أرسطاطاليس وأسلافه وأخلافه ولم يفرغوا من وضعها إلى الآن.