Mea'l-Arab: fi't-tarihi ve'l-usture
تأليف
رئيف خوري
الإهداءإلى الشعب الذي أحببته، وفي أحيان كرهته، كما يكره الإنسان نفسه، كرها مشتقا من أعمق الحب!
ر. خ.
مقدمةكثيرة هي قصص التاريخ، وكثيرة هي الأساطير العربية التي يستطيع كاتب أن يفيد منها اليوم مادة حية لعمل أدبي.
وما أريد أن أزعم أن هذه القصص التي أضعها بين يديك، أيها القارئ، إنما هي من العمل الأدبي ذي الشأن الخطير، ولكني قصدت أن أذكر بها أنفسنا تذكيرا، فلعل منا من يحسن أن يفيد منها خيرا مما أفدت.
ويكفيني، أيها القارئ، أن تقعد إلى هذا الكتاب الصغير في فترات، فلا تستغرق القطعة منه إلا اليسير من وقتك، وتخرج منها وقد ظفرت - كما أرجو - ببعض المكافأة من لذة فنية، أو عبرة، أو فائدة فكرية.
وأظننا بعد هذا متفقين على أن تاريخ العرب وأساطيره من أمتع ما يسرح فيه الذهن، وأننا بحاجة إلى تعرف هذا التاريخ وهذه الأساطير - ولو على وجه قصصي سريع - لنقابل ذلك كله بما هو حقه من الحب والإعجاب.
رئيف خوري
فينيقيون قبل فينيقيانعود أدراجنا في شعاب التاريخ العربي القديم، وننتهي إلى حيث ننتهي في كل تاريخ قديم، عند منقطع تضيع فيه الطرق وينعقد الضباب، ولكن لا بد للحكاية من بداية.
ها نحن في الجزء الجنوبي من شبه جزيرة العرب، وقفنا نودع القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ونستقبل الثالث عشر.
في ذلك الزمان كان الذي تلده أمه على طريق الهند يستطيع أن يكون مستقلا.
وهذه هي الدولة المعينية، أولى الدول العربية التي نقرأ لها ذكرا صريحا في التاريخ، نشأت يغذيها شريان من أعظم شرايين التجارة في تلك الدنيا الملتفة بكثائف من القدم.
وإذا قيل العرب، قيل الصحراء، عادة، وأولى عندي أن يقال البحر!
كانت البضائع التجارية تصدر من الهند فتمر خلال شبه الجزيرة العربية إلى أسواقها في الشرق الأدنى والعالم، وكانت اليمن وحضرموت إحدى المحطات التجارية العظمى؛ لأن البحر الأحمر - وهو العصبي المزاج والأمواج - كان عصيا على الملاحة في سفن العصر، فكان التجار يتابعون طريقهم من اليمن شمالا عبر الحجاز.
ولكن سنترك المعينيين يوردون الطيب إلى الدنيا، وتقف عند هذا البحار المعيني الذي طالما زار البنجاب في الهند، ومخر رقعة المياه التي يتنازعها العرب والهنود، في الاسم، فيقال لها تارة البحر الهندي، وطورا البحر العربي.
