Mea'l-Hatîb
لا ريب فى ان الدعوة الاسلامية انما قمت على عقيدة التوحيد، وتوحيد العقيدة، وتوحيد الكلمة، وتوحيد الانظمة والقواعد، وتوحيد المجتمع. وتوحيد الحكومة، وتوحيد المقاصد.
فعقيدة التوحيد هى المبنى الوحيد لجميع الفضائل. وهى الحجر الاساس للحرية. واشتراك الجميع فى الحقوق المدنية.
فلافضل لعربى على عجمي، ولالابيض على اسود، وكل الناس امام الحق والشرع سواء، والناس كلهم من آدم، وآدم من تراب، و « انما المؤمنون اخوة » و « ان اكرمكم عندالله اتقيكم » و « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » و « مثل المسلمين فى توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى » و « من اصبح ولايتهم بامور المسلمين فليس منهم ».
اصبح المسلمون بنعمة الله اخوانا معتصمين بحبل الله تعالى، قلوبهم موتلفة، واغراضهم واحدة، اشداء على الكفار رحماء بينهم، فتحوا الاصقاع والبلدان. وصاروا سادات الارض، ودعاة الناس الى الحرية والانسانية. وقواد الاصلاح. والعدالة الاجتماعية.
هدموا قصور الجبابرة المستبدين، وانقذوا الضعفاء من استعباد الاقوياء الظالمين، واخرجوا الناس من ذل سلطان الطواغيت وعبادة
العباد، وادخلوهم فى عز سلطان الله وسلطان احكامه وعبادته.
هكذا كان المسلمون الذين اخلصوا دينهم لله، ولو لا ما نجم فيهم من النفاق وحب الرياسة والحكومة. والمنافرات التى وقعت بينهم فى الامارة لما كان اليوم على الارض امة غير مسلمة.
ولكن فعلت فيهم السياسة فعلها الفاتك ففرقت كلمتهم، وازالت وحدتهم ومجدهم، فصاروا خصوما متباعدين بعد ما كانوا اخوانا متاحبين واشتغلوا بالحروب الداخلية عوضا عن دفع خصومهم، واعدائهم ونسوا ما ذكروا به من الامر بالاتحاد، والاخوة الدينية، فصرنا، فى بلادنا اذلة بعد ان كنا فى غير اوطاننا اعزة.
واكثر هذه المفاسد انما اتتنا من ارباب السياسات، ورؤساء الحكومات الذين لم يكن لهم هم الا الاستيلاء على عباد الله ليجعلوهم خولا ومال الله دولا، فاثاروا الفتن، وقلبوا الاسلام رأسا على عقب، وضيعوا السنن والاحكام، وعطلوا الحدود، واحيوا البدع وقضوا بالعبور والتهمة واستخدموا عبدة الدراهم والدنانير، وامروهم بوضع الاحاديث لتأييد سياساتهم، وفسروا القرآن، وحملوا ظواهر السنة وفق آرائهم، ومنعوا الناس عن الرجوع الى علماء اهل البيت الذين جعلهم النبى صلى الله عليه واله وسلم عدلا للقرآن وامر بالتمسك بهم (1) فراجع بعين البصيرة والانصاف كتب التاريخ و
الحديث حتى تعرف اثر افاعيل السياسة فى تلك الفظائع.
ولا تنس ايضا اثر سياسات خصوم الاسلام من المسيحيين واليهود وغيرهما فى تأجيج نار الشحناء، والبغضاء بين المسلمين فانهم لم يسلبوا سلطاننا. ولم يملكوا بلادنا الا بما اوقعوا بيننا من التفرق والتشتت، وبما بذلوا من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة لبث التنافر والتباغض بين المسلمين. ومنعهم من الاتحاد. فهم لا يزالوان يضعون حواجز فى طريق تقارب الحكومات الاسلامية، ويصرفونهم عن الدفاع عن وطنهم الاسلامى الكبير ليؤسسوا حكومات مستعمرة، واوطانا مفتعلة، من غير ان يعتبروها اجزاءا لوطننا الاسلامى، ويطالبونهم بالدفاع عن حدود هذه الاوكان التى احدثها المستعمرون وذلك لتفريق كلمة المسلمين، وتضاربهم فيما بينهم حتى تقف كل حكومة منهم فى وجه الاخرى.
