Medresetu'l-Hikme
تأليف
عبد الغفار مكاوي
الإهداءإلى أستاذي الدكتور «ف. شتروفه» بجامعة فرايبورج (بألمانيا) أهدي بعض ما تعلمته منه.
تقديمليس هناك فلسفة بغير تفلسف، أعني بغير مشاركة في مسائلها، وتجربة حية لمشكلاتها، صحيح أن هناك عددا لا حصر له من الحقائق التي يستطيع الإنسان أن يتعلمها من تاريخ الفلسفة، وصحيح أيضا أن تاريخ الفلسفة لا غنى عنه لكل من يريد أن يتفلسف، غير أن الاقتصار على ترديد آراء الفلاسفة - كما يقول «كانط» في عبارته الجميلة في نهاية «نقد العقل الخالص» - يحيل الإنسان إلى «نسخة من الجبس» تكتفي بالترديد وتعجز عن الإضافة والإبداع. فتاريخ الفلسفة هو تاريخ البحث في المشكلات الفلسفية قبل أن يكون مجموعة من المذاهب والنظم والنظريات، والفلاسفة أناس مثلنا من لحم ودم، لا آلات مفزعة تصنع أفكارا مجردة وكلمات جافة مخيفة، لقد واجهوا مشكلات عذبتهم، ووقفوا أمام ألغاز في الكون أو في أنفسهم حاولوا أن يجدوا لها حلا. ولا جدوى على الإطلاق من أن «نعرف» أن «أفلاطون» كان ينادي بنظرية المثل، أو أن «أرسطو» كان يقول بتركيب الأشياء من مادة وصورة، أو أن «كانط» قد وصف المكان والزمان بأنهما صورتان أوليتان للعيان أو المشاهدة، لا يتم للإنسان فهم أو إدراك إلا في إطارهما؛ لا جدوى من معرفة هذا كله إذا لم نعرف قبل هذا شيئا عن «الإشكال» الذي جعل أفلاطون وأرسطو و«كانط» ينظرون هذه النظرة إلى الواقع أو إلى المكان والزمان، وإذا لم نشعر باللغز الذي أرقهم ودفعهم إلى البحث عن الحل الذي ذهبوا إليه. وإذن ففهم المشكلات الفلسفية لا يكون بحفظ مذاهب الفلاسفة وآرائهم، بل بتجربتها ومكابدتها على أنها مشكلاتنا نحن، وطبيعي أننا لن نستطيع أن نفهمها الفهم الصحيح حتى نضعها في داخل تطورها التاريخي، ولكننا لن نستطيع كذلك أن ننظر إليها على أنها «مشكلاتنا نحن»؛ حتى نعود فنضعها في تاريخنا ونسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن تقوله اليوم لنا؟ فالفلسفة مجموعة من المشكلات والأسئلة التي لا تكاد تختلف من عصر إلى عصر إلا في أسلوبها وطريقة صياغتها والإجابات التي يحاول أبناء كل جيل أن يقدموها لها، ويعكسوا على مرآتها أفكارهم وهمومهم وضعفهم وقوتهم وأحلامهم وأشواقهم وتخريفهم وسخفهم أيضا؛ ولذلك كان من أصعب الأمور على دارس الفلسفة أن يجد المرجع الذي يعطيه كل شيء عنها؛ لأنه سيكتشف بعد قراءة مئات الصفحات - بل آلافها - أنه لم يعرف بعد ما هي الفلسفة! وليس الأمر كذلك في سائر العلوم التي نصفها بالعلوم الوضعية، فيكفي أن نمد أيدينا إلى كتاب في تاريخ الفلك أو الطبيعة أو النبات أو الاجتماع؛ لنعرف موضوع هذا العلم وحدوده وغايته. ذلك هو سر الخطر والإغراء الذي تنصب الفلسفة شباكه لكل من يغامر بالسير على دربها الممتع الخطر، إنه لا يلبث أن يجد أن كل المصابيح التي أخذها من أيدي الفلاسفة لا تكفي لإنارة طريقه، وأن عليه أن يكتشف هذا الطريق بنفسه، ويفكر فيه بالاعتماد أولا وأخيرا على نفسه. صحيح أنه لن يستغني عن هذه المصابيح التي زوده بها تاريخ الفلسفة، ولكنها كذلك لن تعفيه من البحث عن مصباحه ووضع الزيت فيه وتنظيف زجاجه من حين إلى حين!
