Mefreku't-Tarik
توطئة
إلى نشأة المسرح المصري
توطئة
إلى نشأة المسرح المصري
مفرق الطريقتأليف
بشر فارس
توطئةإن وجهة هذه المسرحية مما انساق له قلمي، ورفت إليه نفسي بعد التحصيل، والروية، والاجتهاد، فرأيت أن أصنع للمسرحية مقدمة أبسط فيها الأسلوب الذي أجريتها عليه، فضلا عن قصائد نظمتها، قد وقف على مقاصدها من يدأب في قراءة «المقتطف» خاصة؛ لكي تكون بيانا لبعض ما نشرته حتى اليوم، ثم بعض ما أنا ناشر بعده إن شاء ربك. •••
هذه قصة تمثيلية على الطريقة الرمزية - إذا شئت - وليست الرمزية ها هنا بموقوفة على الرمز بشىء إلى شىء آخر، ولكنها - فوق هذا - استنباط ما وراء الحس من المحسوس، وإبراز المضمر، وتدوين اللوامع والبواده بإهمال العالم المتناسق المتواضع عليه المختلق اختلاقا بكد أذهاننا، طلبا للعالم الحقيقي الذي نضطرب فيه، رضينا أو لم نرض، تدهشنا ظواهره، وتروعنا بواطنه، وتعجزنا مبادئه، عالم الوجدان المشرق، والنشاط الكامن، والجماد المتأهب للتحرك إلى ما يجري بينها من العلاقات الغريبة، والإضافات التائهة في منعطفات الروح، ومثاني المادة، يشترك في كشفها الإحساس الدفين، والإدراك الصرف، والتخيل المنسرح.
كلنا يطوي في المكان القصي من سريرته شيئا لا بد له من أن يقال، شيئا أجنبيا عما يتصل بالمألوف أو المنتظم أو الاجتماعي، صاحبه يكتمه حتى من نفسه وربما جهله، على أنه يتكلم ويتحرك، وهذا الشىء شاغله بحيث تمسي طائفة معينة من أقواله وأفعاله مجموعة رموز، لا رموز آراء تنكشف مصادرها، وتطرد مجاريها، ولكن رموز نزعات مبهمة، وممكنات ضائعة، وممتنعات متمثلة، ومغالبات، إنما ترتقب عواصفها في الساعة التي يهتم فيها الظلام أن ينفرش فيتصور المرتقب هزيز الريح، وصفق الموج، ثم إن مثل هذا الشىء لا يفصل، ولا يعلل، ولكنه يعرض خطفا، فكأن المنشئ يتوجس كيف تجاوب نفسه جرس الأشياء الخارجية من دون أن يتحمل ترتيبها ولا تأويلها، فيعدل عن البسط والتبيين إلى إثبات البرق الذي التوى في السحاب، فغزا الظلمة لحظة كأنما البرق آية وحي.
وبعيد أن يكون الرمز لونا من التشبيه أو الكناية إلى غير ذلك من ضروب المجاز، للذهن في وضعها، ثم قبولها الحظ الأعلى، بل هو صورة، أو قل: سرب صور جزئية ينتزعها المنشئ من المبذول كما تنتزع الأشكال من هيئات الموجودات على مرقم رسام موفور الحواس، مشغول المخيلة، محدث القلب، يعد الملموس منبثق الانطلاق إلى عالم أمثل، إلى عالم روحاني يوفق بين الواقع والموهوم، فيجعل ذاته الفنانة تعكس على اللوح الموضوع المرئي بفضل عينين دربتا على لمح مشاهداته الباطنة، فيمزج الرسم لوائح الرسام بالخارجيات، فتنسجم سرا كأن الخطوط الأفقية انبساط نفسه، والخطوط العمودية انبعاثها، والدوائر انطواؤها، والمنحنيات انقباضها، وكأن الضياء من صحوها، والظلال بعض مشكلاتها، وكأن الوجوه الوضاحة أشواقها، والمناظر المغبرة من غمومها: الوجداني يحل في المادي، حتى إن الأشكال ربما تبدو ناقصة أو مختلة، أو ماثلة تتردد عند حدود المعقول لمن لم يكن موطأ الفهم لها، مرهف البصيرة.
