Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Min havlina

من حولنا
Muhammed Said el-Uryan
۩
من حولنا
محمد سعيد العريان
Edebiyat & Roman
من حولنا

تأليف

محمد سعيد العريان

سيدنا ...

كنا في مجلسنا من شرفة النادي حين لمحنا صديقنا الأستاذ ع - مفتش التعليم الأولي - قادما من بعيد، يتوكأ على عصاه وهو يميل يمنة ويسرة، ويطول في مشيته ويتقاصر؛ إذ كان في رجله عرج قديم من التواء في إحدى قدميه، فلما بلغ حيث كنا جالسين ألقى إلينا التحية ثم اتخذ له مقعدا على مقربة.

ومضينا فيما كنا من الحديث، نتسرح من فن إلى فن، وشئون الحديث تتداعى معنى إلى معنى، وحادثة إلى حادثة، وقال واحد من السامرين: «رحم الله سيدنا ...» فلم يكد يتم عبارته حتى اعتدل المفتش في مجلسه واختلجت شفتاه في تأثر وانفعال، ثم اهتبل الحديث يقول: «سيدنا! ... رحمه الله وغفر له!»

وتوجهنا بأبصارنا إلى الأستاذ ع، وقد أدركنا من حاله أن خاطرا من ذكرياته قد ألم به الساعة، وأن شيئا ذا بال في كلمة «سيدنا» قد أيقظ نفسه وهاج عاطفته، فرغبنا إليه في أن يقص قصته، فمضى يقول: كان سيدنا الشيخ عبد الجليل له في القرية مكان واحترام، لا يبلغ منزلته أحد من أهل القرية جميعا. ولا عجب، فهو شيخ القرية وعالمها ومعلم بنيها؛ يستفتونه في أمر دينهم، ويستشيرونه في شئون دنياهم، وما منهم أحد إلا له عليه يد، ولا ذو حاجة إلا كانت حاجته عنده، ولا ذات أمل إلا بلغت مأمولها برقية من رقى الشيخ أو تعويذة من تعاويذه.

وكان له «كتاب» يختلف إليه طائفة غير قليلة من صبيان القرية يحفظون القرآن ويتعلمون القراءة والكتابة، ويقصد إليه ذوو الحاجات يطلبون مشورته أو يلتمسون بركاته.

وكنت - ككل فتى في القرية - أسمع باسم الشيخ وأضمر له في نفسي من المحبة والاحترام مثل ما يضمر له الجميع، وإن لم يتهيأ لي مرة أن أراه رأي العين. وذات صباح صحبني والدي إلى كتاب الشيخ عبد الجليل ليكل إليه تعليمي. وكنت يومئذ في التاسعة من عمري وقد شدوت من العلم شيئا في مدرسة أولية بالمدينة، حيث كنت أقيم عند خالي، ومضيت خلف أبي على طول الطريق لا أفكر إلا في السعادة التي تنتظرني ساعة أجلس بين يدي الشيخ المبارك أنظر إليه وأسمع عنه وأحفظ من علمه.

ورأيت الشيخ يومئذ لأول مرة. لقد بدا لي أصغر سنا مما كنت أتصوره في خيالي، وأحسبه كان صغيرا حقا، فإنه على ذيوع صيته وامتداد شهرته في القرية لم يكن قد جاوز الأربعين بعد، عرفت ذلك من لحيته السوداء وشاربه المحفوف.

وكان في وجهه ذبول وعليه مسحة من صور الزهاد، أنبأتني بذلك عيناه الناظرتان أبدا إلى تحت، ولكنه على ما كان يبدو في وجهه وفي عينيه من التواضع والانكسار، لم يكد يرى أبي مقبلا عليه بالتحية حتى مد له يمناه، فطأطأ أبي رأسه ومال على يده فقبلها، حينئذ لم أملك إلا أن أفعل مثله، أنا الذي لم يقبل يدا قط حتى يدي أبيه وأمه.