Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Min lagvi's-sayf

من لغو الصيف
Taha Huseyin
۩
من لغو الصيف
طه حسين
Deneme & Fikir
من لغو الصيف

تأليف

طه حسين

الفاروق الشديد اللين

من أيسر الأمور على المثال البارع أن يصنع لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تمثالا يجمع بين الصدق والروعة، وبين الدقة التي ترضي الحق، والجمال الذي يرضي الخيال؛ فقد حفظ التاريخ لعمر صورة دقيقة صادقة لا تتعرض للشك ولا للخلاف، بحيث يراها الناس جميعا إذا قرءوا تاريخه فلا يختلفون فيها ولا يفترقون في الإعجاب بها والإعظام لها مهما تختلف أمزجتهم وطبائعهم، ومهما تختلف آراؤهم ومذاهبهم، ومهما تختلف طرائقهم في التفكير والحكم والشعور.

وهذه الصورة الدقيقة الصادقة الرائعة التي حفظها التاريخ لعمر لا تمثل شخصه المادي وحده، وإنما تمثل شخصه المادي والمعنوي أيضا، وتمثل شخصه المعنوي من جميع نواحيه: تمثل قلبه، وتمثل عقله، وتمثل إرادته، وتمثل حسه أيضا. وهي صادقة في هذا كله؛ لا يتطرق إليها الشك؛ لأنها أوضح وأظهر من أن يتطرق إليها الشك وأن تختلف فيها الآراء. وما أعرف أن تاريخ الخلفاء والملوك المسلمين قد صدق في تصوير شخصية من شخصيات الخلفاء والملوك كما صدق في تصوير شخصية عمر بن الخطاب.

والغريب أن هذه الشخصية لم تكن سهلة ولا يسيرة في نفسها، وإنما كانت عسيرة معقدة - كما سترى بعد قليل - ولكنها كانت قوية جدا، قوية إلى الحد الذي يعجز معه التاريخ عن مقاومتها فيضطر إلى أن يقبلها كما هي، لا يستطيع أن يزيد فيها أو ينقص منها، وإنما يتلقاها كاملة وينقلها إلى الأجيال كاملة، وتمضي القرون في أثر القرون وهي كما هي لا يستطيع الزمان أن يمسها بزيادة أو نقص. ولو أن مثالا بارعا قرأ ما حفظه التاريخ من صورة عمر، ثم أراد أن يظهر ذلك بوسائله الفنية وأن يصنع هذا التمثال لعمر، لجمع بين خصلتين غريبتين، فكان ناقلا لا مبتكرا، وكان في الوقت نفسه رائعا معجبا يبهر العقول ويخلب الألباب ويملأ الأبصار والقلوب.

ولكن عمر كان ثاني خلفاء المسلمين، فمكانته الدينية ومنزلته من النبي ومقامه من الإسلام نفسه، كل ذلك يرفعه عن أن يكون موضوعا لصناعة المصور أو المثال. فلنجتهد في أن نستعين بصناعة الكلام على تصويره للشباب المحدثين، فعمر - فيما نعتقد - أعظم شخصية يمكن أن تعرض على الشباب؛ لأنهم يجدون فيه خير ما نحب أن يجدوا من المثل التي نتمنى أن يطيلوا النظر إليها والتفكير فيها والتأثر لها؛ لعلهم يرقون إليها شيئا.

وأول ما يهمنا من أمر عمر أنه كان ملتقى لطائفة من الخصال المتناقضة التي ينكر بعضها بعضا أشد الإنكار، ويدفع بعضها بعضا أشد الدفع. ولكن الله قد لاءم بينها وألف بين مقاديرها تأليفا غريبا، حتى التقت فلم تتنافر ولم تتدابر ولم يفسد بعضها أثر بعض، وإنما ائتلفت أحسن ائتلاف وانسجمت أروع انسجام، كما تأتلف الأصوات المتنافرة، وكما تنسجم الأنغام المتباعدة في القطعة الموسيقية الرائعة، حتى أصبح شخص عمر آية خالدة من آيات الموسيقى يتغنى بها تاريخ المسلمين، وسيتغنى بها ما بقي الإسلام وما بقي للإسلام تاريخ.