Min zaviyetin felsefiyye
تأليف
زكي نجيب محمود
الفكر الفلسفي في مصر المعاصرة1كان «تهافت الفلاسفة» الذي ألفه الإمام الغزالي في ختام القرن الحادي عشر الميلادي، بمثابة الرتاج الذي أغلق باب الفكر الفلسفي في بلادنا، فظل مغلقا ما يزيد على سبعة قرون، ولم ينفتح إلا في منتصف القرن الماضي، نتيجة لحركة شاملة استهدفت نهوض الحياة الفكرية العربية من كل أرجائها، فنشأ علم، ونشأ فن، وتجدد أدب وتجددت فلسفة.
وكان قوام الفكر الفلسفي - في هذه الحركة الشاملة - هو الدعوة إلى الحرية وإلى التعقيل؛ أما الحرية فلا تكون إلا من قيد، والقيد الذي كان قائما عندئذ، بل القيد الذي أخذ يزداد صلابة على مر القرون التي سادها الحكم التركي بصفة خاصة، هو قيد الجهل والخرافة في فهم الناس للظواهر والأحداث، وهو أيضا قيد النص المنقول، الذي يفرض نفسه على الدارسين فرضا، بحيث لا يكون أمام هؤلاء الدارسين من منافذ التفكير المستقل، إلا أن يعلقوا على النص بشروح، ثم على الشروح بشروح، وهلم جرا. وهي نفسها الحالة التي جاءت النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر لتجدها جاثمة على عقول الدارسين فكان التخلص منها والخروج عليها، هو نفسه معنى النهضة في لبها وصميمها.
وأما «التعقيل» فهو أن نجعل احتكامنا إلى العقل دون النزوة والهوى. وإذا قلنا «العقل» فقد قلنا أحد أمرين، أو الأمرين معا، فإما أن يستند الإنسان في أحكامه إلى شواهد الحس والتجربة - وذلك إذا كان موضوع البحث ظاهرة خارجية من ظواهر الطبيعة أو المجتمع - أو أن يستند الإنسان في أحكامه إلى سلامة الاستدلال في استخراج تلك الأحكام من مقدماتها - وذلك حين يكون موضوع البحث فكرة نظرية - وقد يجتمع الطريقان معا في بحث واحد بعينه، فنجمع شواهدنا من تجاربنا أولا، ثم نكون فكرة نظرية نستدل منها ما يسعنا استدلاله من نتائج؛ ذلك هو سبيل العقل. وإذن فليس من العقل أن نستند في أحكامنا إلى ما هو شائع بين الناس بحكم التقليد الموروث، لا سيما إذا كان هؤلاء الناس قد صادفتهم من تطورات التاريخ أطوار أغلقت دونهم مسالك النظر.
على أن الفكرتين - فكرة الحرية وفكرة التعقيل - مكملتان إحداهما للأخرى؛ لأنك إذا تحررت من قيود الجهل والوهم والخرافة، كنت بمثابة من قطع من الطريق نصفه السلبي، وبقي عليه أن يقطع النصف الآخر بعمل إيجابي يؤديه، كالسجين تخرجه من محبسه، فلا يكون هذا وحده كافيا لرسم الطريق الذي يسلكه بعد ذلك، وكذلك المتحرر من خرافة قد يقع في خرافة أخرى. ولهذا كان لا بد لتكملة الطريق على الوجه الصحيح، أن تكون أمام المتحرر بعد تحرره خطة مرسومة يهتدي بها، وما تلك الخطة الهادية إلا خطة «العقل» في طريقة سيره. فإذا قلنا: إن الفكر الفلسفي الحديث عندنا جاء متميزا بالدعوة إلى الحرية وإلى التعقيل، فقد قلنا بذلك إنه كفل أمامنا سواء السبيل بنصفيها: السلبي والإيجابي معا.
