Mine'l-Akide ile's-Sevre (3): el-Adl
تأليف
حسن حنفي
الباب الثالثالإنسان المتعين
الفصل السابعخلق الأفعال
أولا: مقدمة من التوحيد إلى العدلإذا كانت نظرية الذات والصفات هي لب التوحيد، فإن نظرية الأفعال هي لب العدل. وتشمل نظرية الأفعال موضوعين: الأول: خلق الأفعال أو حرية الاختيار، وهو الموضوع الشائع باسم الجبر والاختيار، وهو الموضوع الغالب. والثاني: العقل والنقل أو الحسن والقبح العقليان، وهو الأقل وكأنه أحد الموضوعات الجزئية الفرعية. وأحيانا ينضم الموضوعان معا في موضوع واحد دون بناء نظري له، وتعطى مسائل متفرقة في العدل يختفي فيها الحسن والقبح.
ولكن الشائع هو أنه في باب حرية الأفعال وارتباطها بالإرادة يظهر باب التعديل والتجوير أو الحسن والقبح العقليان مرتبطا بالقدرة. وبالتالي ينقسم العدل إلى موضوعين: حرية الأفعال، والحسن والقبيح.
2 (1) التذبذب بين التوحيد والعدل
يدخل موضوع خلق الأفعال عند القدماء في نظرية الذات والصفات والأفعال، أي في التوحيد (الأشاعرة)، في حين أنها حاولت الانفصال في أصل ثان هو العدل (المعتزلة) حفاظا على استقلال الموضوع وإثباتا لحرية الأفعال. وظل الموضوع عند القدماء متأرجحا بين التوحيد مرة وبين العدل مرة أخرى، مرة لإثبات حق الله ومرة لإثبات حق الإنسان، وكأن أفعال الإنسان وحريته واستقلاله يتنازعهما حقان، كلاهما شرعي؛ حق الله باعتباره خالقا وحق الإنسان باعتباره مسئولا. والدفاع عن حق الله دون حق الإنسان ليس موقفا إنسانيا شرعيا بل يكشف عن اغتراب الإنسان وعجزه عن الدفاع عن حقوقه ومزايدته على حق غيره، في حين أن الدفاع عن حق الإنسان دون حق الله أقرب إلى موقف الإنسان الشرعي دون مزايدة في الدفاع عن حق غيره، خاصة وأن حق الإنسان أولى بالدفاع؛ لأنه الحق المهضوم، في حين أن حق الله قائم بلا منازع، والله أقدر على الدفاع عن حقه. فإذا كان الاغتراب الإنساني النظري قد ظهر في الذات والصفات فإن الاغتراب العملي يظهر في خلق الأفعال وفي الحسن والقبح العقليين وإن كان بصورة أقل؛ نظرا لبروز الإنسان من كنف الله وظهور العدل من بطن التوحيد. فبالرغم من أن خلق الأفعال داخلة عند القدماء في نظرية الذات والصفات والأفعال (الأشاعرة) إلا أنها أدخل في العدل، أي في أفعال الإنسان (المعتزلة) لتعلقها بحرية الأفعال وبالحسن والقبح العقليين.
ومن ثم كان الإنسان أظهر في الأفعال منه في الذات والصفات. وهنا يبدو التذبذب بين النظر إلى الأفعال كاستمرار لنظرية الذات والصفات، أي كحديث عن الله أم كحديث صريح عن حرية الأفعال والحسن والقبح والصلاح والأصلح، أي كحديث عن الإنسان. والحقيقة أن هناك اختفاء تدريجيا لله، وظهورا تدريجيا للإنسان من الذات إلى الصفات إلى الأفعال. فأوصاف الذات أقرب إلى الله، والصفات ما بين الإنسان والله، والأسماء أقرب إلى الإنسان كتعبير نهائي عن عواطف التعظيم والإجلال، وكأن القضية أصبحت اثنين اثنين: اثنين لله؛ الذات والصفات، واثنين للإنسان؛ خلق الأفعال، والحسن والقبح العقليين. وهما الأصلان الأولان من أصول المعتزلة، التوحيد والعدل. يشمل التوحيد الذات والصفات، والعدل خلق الأفعال والحسن والقبح العقليين.
