Mir'atu'd-Damiri'l-Hadis
تأليف
طه حسين
رسائل تنسب إلى الجاحظ، وأراها محمولة عليه لأن تكلف التقليد فيها ظاهر.
رسالة الشكر والكفرأقبل علي صاحبي مبتهجا باسم الثغر، مشرق الوجه والنفس جميعا، يقول: لقد جئتك بطرفة ما أشك في أنك ستنعم بها بالا، وسترضى عنها كل الرضى، وستؤثرها على كثير من الطيبات في هذه الأيام التي تقل فيها الطيبات.
قلت: وما ذاك؟ قال: كتاب مخطوط لم تعرفه المطبعة بعد. ظفرت به عند بعض الوراقين، وفيه رسائل مختلفة للجاحظ، وغير الجاحظ، من كتاب القرن الثالث والرابع للهجرة. ولم أكد أنظر فيه حتى بهرني، وسحرني، وكرهت أن أوثر نفسي بقراءته؛ فجئت أظهرك عليه، وأشركك في الاستمتاع به. ثم أخذ يقرأ علي منه رسالة للجاحظ كتبها إلى محمد بن عبد الملك الزيات، وسماها «رسالة الشكر والكفر»، وابتدأها على هذا النحو:
رسالة الشكر والكفر
يسرك الله للخير، ويسر الخير على يديك، وهداك الله إلى الحق، وجعلك إلى الحق هاديا، ودلك الله على الصواب، وجعلك على الصواب دليلا، وعصمك الله من الشر الذي يلقي بأصحابه إلى التهلكة، وجنبك الباطل الذي يوفي بأهله على النار، وحماك من الخطأ الذي يورط أهله في الحيرة، ويشرف بهم على الزيغ، وألهمك الله شكر النعمة، فإنه تمام المروءة، وكمال الرجولة، وسبيل الاستزادة من الخير، وآية الارتفاع عن النقص، والتنزه عما يجعل الرجل نذلا فسلا، وخسيسا لئيما. ولهذا أخبر الله - عز وجل - بقلة الشاكرين للنعمة الذاكرين للعرف، فقال:
اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور . والله - عز وجل - يريد لعباده الخير، ويأبى لهم الشر، ويدعوهم إلى أن يرتفعوا عن النقائص، ويتنزهوا عن الصغائر، فهو يذكرهم بنعمه عليهم، وآلائه فيهم، ويأمرهم ألا ينسوا ما يهدي إليهم من فضل، ويسدي إليهم من معروف، وينذرهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم إن كفروا النعمة أو جحدوا الصنيعة. يعجل لهم العذاب في الدنيا، ويؤجل لهم العذاب في الآخرة؛ ولهذا قال عز وجل في سبأ:
ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ، وقال في أهل مكة كما روي عن ابن عباس:
وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون .
وقد أدب الله رسله المكرمين، وأنبياءه المعصومين بهذا الأدب فجعلهم حراصا على الشكر، أباة للكفر لا يمسهم جناح رحمة إلا شكروا، ولا تنزل بهم النائبات إلا صبروا عليها، وشكروا لله إلهامهم الصبر، وتمكينهم من الاحتمال؛ ولذلك قال عز وجل على لسان سليمان - عليه السلام - لما سخر له الريح، والجن، وعلمه منطق الطير، والحيوان:
