Mısr ve'l-hadaratü'l-İslamiyye
تأليف
زكي محمد حسن
توطئةلعل وادي النيل أعظم أجزاء المعمورة اتصالا بالأحداث الجليلة في التاريخ العام، وأوفرها نصيبا في التيارات المتباينة، التي كانت تلتقي فيه فتنصهر وتمتزج. وقد كتب الأستاذ فييت المستشرق الفرنسي في مقال له عن السلطان بيبرس عبارة تؤيد هذا المعنى، كتبها السائح الفرنسي جان جاك أمبير
Jaen Jacques Ampère
في القرن التاسع عشر، وإليك ترجمتها: «إن الذي يعبر هذا البلد العظيم الشأن ليلقى في طريقه الكتاب المقدس، وهو ميروس والفلسفة والعلوم والإغريق والرومان والمسيحية، والمذاهب التي خرجت عليها، والرهبنة والإسلام والحروب الصليبية والثورة الفرنسية، بل إنه ليكاد يلقي فيها كل ما كان خطير الشأن في تاريخ هذا العالم ... وأنى لنا أن نجد مدينة كالإسكندرية شيدها الإسكندر، ودافع عنها قيصر، ثم فتحها نابليون؟»
والذي نقصده في الصفحات التالية أن نلم بنصيب مصر في الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في قسم كبير من أنحاء العالم إلى أن طغى سيل المدنية الغربية على أغلب الدول الإسلامية.
تاريخ مصر في العصر الإسلاميتوفي محمد
صلى الله عليه وسلم
سنة 11ه /632م بعد أن وحد كلمة العرب؛ فاستطاع خلفاؤه إنشاء دولة إسلامية مترامية الأطراف، إذ لم تنقض على وفاته بضع سنين حتى سقطت على يدهم إمبراطورية إيران، وتقلص نفوذ بيزنطة في الشرق الأدنى، وحاز المسلمون الانتصارات المجيدة في الشام والعراق وإيران، ثم ما لبثوا أن فطنوا إلى ما لمصر من عظيم الشأن بفضل موقعها الجغرافي والحربي، وخصوبة أرضها التي تنتج الحنطة، وتدر الخير العميم، فسيرا إليها جيوشهم، وتم لهم فتحها سنة 21ه/641م.
وأصبحت مصر ولاية من ولايات الخلافة الإسلامية، يحكمها ولاة يبعثهم الخلفاء من المدينة أو دمشق أو بغداد، وأصبح الإسلام دين الأغلبية في وادي النيل منذ نهاية القرن الثالث الهجري (9م)، وظل الولاة يحكمون مصر من قبل الخلفاء إلى أن استطاع أحمد بن طولون أن ينشئ فيها سنة 254ه/868م دولة مستقلة عن الخلافة العباسية إلى حد كبير.
والمعروف أن سنة جديدة بدأت في حكم بعض الأقاليم التابعة للخلافة حين عظم نفوذ الجند من الترك في البلاط العباسي؛ إذ بدأ الخلفاء يقطعون تلك الأقاليم أولياء عهدهم، ثم بعض قواد الجند. وطبيعي أن هؤلاء القواد الترك كانوا يؤثرون البقاء في عاصمة الخلافة خشية أن تدبر الدسائس ضدهم، وكان الخليفة نفسه يرحب ببقائهم في العاصمة مخافة أن يستقلوا بما يولونه من الأقاليم، فكان هؤلاء لا يحكمون بأنفسهم بل يوفدون إلى الأقاليم نوابا عنهم، ويتلقون منهم ما يتبقى من الجزية والخراج بعد دفع نفقات الإدارة، فيدفعون إلى بيت مال الخلافة جزءا منه. وبدأ هذا النظام في مصر منذ سنة 219ه/834م، وبقي إلى أن وفد أحمد بن طولون إلى مصر نائبا عن واليها القائد التركي.
