Muellefatu Ibn Rusd
تأليف
جورج شحاتة قنواتي
منهج البحثمنذ أكثر من ربع قرن (سنة 1948) قررت الإدارة الثقافية للجامعة العربية - وكان على رأسها حينذاك المغفور له الأستاذ أحمد أمين - أن تحتفل بذكرى ابن سينا بمناسبة مرور ألف سنة على ولادته وذلك بإقامة مهرجان كبير له في بغداد، ورأت أيضا وضع دراسة ببليوجرافية شاملة لمؤلفات ابن سينا ترشد الباحثين والدارسين، وكان من حظي أن وكل إلي هذا الدأب الذي اضطلعت به زمنا، واضطررت للسفر إلى إستامبول للوقوف على أصول مخطوطات ابن سينا الموجودة في مكتباتها المتفرقة، واستطعت أن أخرج عام 1950م «كتاب مؤلفات ابن سينا»، ولا أنكر أن هذا الكتاب لم يخل من مآخذ، ولكنه - فيما أعتقد - كان أداة بحث نافعة، واستعان به الدارسون والباحثون ما وسعهم وقد نفدت طبعته منذ زمن، ولعل من الخير أن يعاد طبعه بعد مراجعة وتنقيح كاملين.
وها نحن اليوم أمام ذكرى مفكر إسلامي كبير مضى على وفاته ثمانية قرون، هو أبو الوليد محمد بن رشد الذي طبق صيته الآفاق في القرون الوسطى، وامتد درسه وبحثه في الغرب إلى عصر النهضة والتاريخ الحديث، وقد سمي بحق الشارح الكبير لأرسطو، ورأت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أن تقيم لهذه الذكرى مهرجانا دوليا في الجزائر، وكلفتني مرة أخرى أن أقوم بدراسة ببليوجرافية شاملة لمؤلفاته، أسوة بما قمت به من قبل نحو الشيخ الرئيس ابن سينا.
والحق يقال: إني لم أتردد كثيرا في قبول هذه الدعوة الكريمة، فمنذ أمد طويل كنت عقدت العزم على القيام بإعداد ببليوجرافية شاملة لكبار الفلاسفة الإسلاميين، ومنذ سنين كنت أدأب على جمع البيانات والوثائق الخاصة بمختلف العصور، وعندما طلب مني أن أنجز - بطريقة محددة وفي وقت معين - جزءا من المشروع المنشود، سررت بهذه الفرصة الذهبية التي مكنتني من المشاركة في إحياء ذكرى فيلسوف إسلامي عظيم وأن ألقي بعض الضوء على درسه وبحثه.
ومنذ البدء اتضح لي أن العمل هنا يختلف تماما عما كان عليه عندما عرضت لأعمال ابن سينا، فهذه الأعمال السينوية - على تعددها وتنوعها - لا تزال كلها بلغتها الأصلية: وهي العربية وقدر قليل باللغة الفارسية، ومخطوطات ابن سينا العربية موزعة في مكتبات العالم، ونصيب مكتبات الأستانة منها عظيم، وكثير منها لم يكن معروفا إلا باسمه ورقم سجله، وكان لا بد لي أن أفحصها وأصفها، أما الترجمات اللاتينية لبعض مؤلفات ابن سينا فقد كانت منذ مدة طويلة موضع اهتمام أخصائيين مهرة أشبعوها درسا، وعلى كل حال لم يكن لهذه المخطوطات اللاتينية إلا أهمية ثانوية بالنسبة إلى جمع أعمال ابن سينا الكاملة التي كانت تحت أيدينا في أصلها العربي.
