Muhâdarât an mesrahiyyâti Şevki: hayâtuhu ve şi'ruhu
تأليف
محمد مندور
العرب والأدب التمثيليمن المقطوع به أن الأدب التمثيلي فن غربي، لم يبتدئ أدباء وشعراء اللغة العربية في معالجته إلا منذ قرن من الزمان تقريبا، فهو فن جديد في الآداب العربية، لا يزال حتى اليوم يتلمس سبيله، ويتطلع إلى النضوج والأصالة، وليس من شك في أن العرب قد تعلموه في العصر الحديث عن الغربيين، كما تعلمه هؤلاء عن اليونان القدماء.
ولقد تدفع النزعة القومية بعض الباحثين، إلى التنقيب عن آثار هذا النوع من الأدب، عند المصريين القدماء أو عند العرب.
فأما المصريون القدماء، فإذا صح أنهم قد عرفوا المسرح أو شيئا يشبهه، كانوا يعرضون بواسطته بعض أساطيرهم الدينية، فمن الواضح أن الصلة كانت قد انقطعت تماما، بين مصر القديمة ومصر العربية الحديثة؛ إذ طوى الزمن أهم صلة بين المصريين، وهي اللغة التي اكتشفت في العصر الحديث، وإلى اليوم لا تزال معرفة تلك اللغة محصورة، بين عدد قليل من المتخصصين في الغرب والشرق، وإذا كانت مصر القديمة قد خلفت في العقلية المصرية الحديثة بعض الرواسب، فإنها لا توجد إلا في بعض المعتقدات والخرافات والعادات، أو الأدب الشعبي الذي توارثته الأجيال المتعاقبة، عن طريق الرواية الشفوية.
ومصر الحديثة بلاد عربية في كافة مقوماتها الثقافية؛ ولذلك يكون البحث عن موقف العرب من المسرح أكثر جدية، باعتبار أن الأدب الذي تتغذى به اليوم، والذي تغذت به منذ الفتح العربي، هو الأدب العربي، والباحثون الجادون يجمعون على أن العرب لم يعرفوا المسرح ولا الأدب المسرحي في أي عصر من عصورهم القديمة، في المشرق أو المغرب؛ فالمقامات وما شاكلها من قصص أو أقاصيص نثرية أو شعرية، لا يمكن أن تعتبر أدبا مسرحيا، حتى ولو قامت على الحوار البسيط، وكذلك الأمر في المشاهد الدينية، التي تحكي على نحو بدائي، مقتل الحسين أو غيره عند الشيعة، في كربلاء أو سواها، وإنما يجري البحث في أسباب عدم معرفة العرب لهذا الفن، أو عدم اختراعهم له.
ولقد تناول هذه المشكلة عدد من النقاد والباحثين؛ ففي المجلد 22، ص563 من مجلة «المشرق»، تناول الأستاذ إدوار حنين هذه المشكلة، وحاول أن يجد لها تعليلا في طبيعة الشعر العربي القديم، وفي طبيعة العقلية العربية، ومنافاتهما لطبيعة الأدب المسرحي، فلاحظ بحق أن الشعر العربي القديم، يمتاز بخاصيتين كبيرتين؛ هما: الخطابة، الوصف الحسي الدقيق، وهذا صحيح في جملته، فنفحة الخطابة طاغية على ذلك الشعر، وأروع قصائد الأدب العربي القديم تقوم على توجيه الخطاب للإنسان أو الناقة أو الدمن والديار، ومن منا لا يذكر: «قفا نبك» و«يا دار مية» و«يا دار عبلة بالجواء تكلمي» ... إلخ إلخ. وفي الشعر العربي القديم أدق وصف وأروعه لعالمهم الحسي، وما فيه من حيوان وجماد وظواهر طبيعية، فضلا عن الإنسان، وبخاصة المرأة، ومواضع جمالها وفتنتها تبعا لذوقهم السائد، وبحكم غلبة التقليد في الأدب العربي، والحرص على عمود الشعر وقوالبه المتوارثة، ظلت هاتان الخاصيتان غالبتين على الشعر العرب في معظم عصوره، وإذا كانت قد حدثت بعض التطورات، مثل تغني الشعراء الغزليين في العصر الأموي بحبهم، وشكواهم لواعجه، فعبروا عن بعض أحاسيس النفس البشرية، ووصفوها وصفا نفسيا جميلا، وإذا كان شعر الفكرة قد ظهر عند المتنبي وأبي العلاء، فإن كل هذا لم يغير الطابع العام للشعر العربي، الذي ظل في جملته، شعر خطابة ووصف حسي.
