Mukaddime li-dirase belagati'l-Arab
تأليف
أحمد ضيف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسله الكرام.
وهذه عجالة نقدمها إلى قراء العربية. على أنها مذكرات لطلبة الجامعة المصرية، ولمن يريد أن يطلع على شيء جديد مجمل عن حركة الأدب الحديثة، وطرق فهم البلاغة في هذا العصر. أما كبار العلماء وأساتذة الأدب، فلا يجدون في هذه الآراء ما يشفي غلتهم، أو يسكن حب الاستطلاع لديهم؛ فعليهم أن يرجعوا إلى كتب الفرنجة الحديثة، وفيها كل التفصيل لما أجملناه وأوجزناه، ذلك في غير الكلام في بلاغة العرب، فإن كل هذا أو جله من آرائنا الخاصة التي اهتدينا إليها بالدرس والتفكير.
وإذا كان كتابنا هذا يدعو إلى سلوك طريق جديد في دراسة بلاغة العرب وفهمها؛ فذلك لأن مصر الآن في حالة رقي (تطور)، يشبه من بعض الوجوه أن يكون عصر نهضة لنا. وفي مثل هذه العصور يحدث في العقول كما يحدث في المجتمعات انقلاب وتغير وميل إلى الجديد في كل شيء، وإننا لنجد هذا الشعور يدب في نفس كل إنسان منا حتى في النفوس التي لا تحب غير القديم.
إن كل ما يراه القراء في هذا الكتاب جديدا، هو ما يجيش في نفوس الأدباء الذين اطلعوا على بلاغات الأمم الحديثة، ورأوا الأطوار التي أدركتها ، فكانت سبب رقيها. وكلهم يعتقد أننا لا ننهض بلغتنا العربية إلا إذا دفعنا بها إلى التحرك من مكانها الذي طال وقوفها فيه؛ لتأخذ مكانا واسعا يليق بها في صف اللغات الحية الآن، وفي اعتقادنا أنه لا يكون ذلك إلا إذا تغيرت طرق الدرس والتأليف عما كانت عليه منذ ألف سنة، وذلك ما نرجو أن يوفق إليه علماء اللغة والأدب عندنا.
والله - سبحانه - المسئول أن يهبنا الإخلاص في عملنا، وأن يوفقنا إلى الصواب.
أحمد ضيف
يناير سنة 1921
تمهيد1دراسة الآداب العربية بالطرق المعروفة الآن لا تزال حديثة العهد، والأدب العربي على سعته وغنائه مشوش مختلط مرتبك، لا يزال باقيا على حالته الأولى من البساطة والسذاجة في التأليف والجمع، ولم تحرر بعد عقول أدبائنا من قيود الطرق القديمة والانتصار لها، ولا يزال يعد الخروج من القديم خروجا عليه، ولا نزال نعتقد أن القدماء وصلوا إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري من الذكاء والإتقان، وغير ذلك من ضروب الرضا والارتياح.
ومدرس الأدب يلزمه أن يطلع على أكثر ما كتب في اللغة ليقف على روحها ومؤلفيها، وليعرف الكتاب والشعراء والفلاسفة والمشرعين وغيرهم، ولا يكفي معرفة ذلك من بطون الكتب والفهارس والموسوعات؛ إذ لا بد من قراءة الكتب نفسها والحكم عليها بناء على معرفة الشخص نفسه. وكل حكم مبني على التقليد أو النقل لا قيمة له، ولا يفيد الأدب شيئا، ولا يصح الاعتماد عليه، فلا يصح أن نأخذ بالتسليم بقول من قال: إن النابغة الذبياني أشعر الشعراء؛ لأنه قال: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... إلخ، بدون بحث في ذلك، ولا أن المهلهل أول من طول القصائد؛ لأن صاحب الأغاني أو غيره قال ذلك، بدون أن نبحث في صحة هذا الزعم، ولا أن نصدق قول من قال: إن لغة العرب أحسن اللغات، بدون أن نعرف شيئا من اللغات الأجنبية ونوازن بينها وبين اللغة العربية.
