Münteka'l-cümân
بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي يا كريم الحمد لله الذي نطقت بحديث وجوب وجوده وأزليته آيات سلطانه وعجائب عظمته، وشهدت بكماله في ذاته وصفته بينات عدله وحكمته، وأدهشت ألباب العارفين آثار جلال عزته، وأسلم من في السماوات والأرضين طوعا وكرها لقضائه ومشيته، الذي لا يضيع عنده عمل عامل بصحيح نيته، ولا يخيب لديه رجاء راج حسن الظن برحمته، بل لا يتعاظمه الغريق في لجة خطيئته أن ينقذه بسعة مغفرته.
أحمده شكرا لنعمته، وأعوذ بعفوه من عقوبته، وأسأله أن يشعرنا كثرة خشيته، ويشرب قلوبنا شدة مراقبته، ويجعل أقوالنا وأفعالنا كلها خالصة لوجهه، ويهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، ويدخلنا في عداد أوليائه الذين سبقت لهم منه الحسنى، وأسعدهم في الآخرة والأولى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تقربنا إليه زلفى، وتبعدنا عما يوجب لنا الندامة في العقبى.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله هاديا إلى الطريقة المثلى، وداعيا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة التي هي لما في الصدور شفاء.
صلى الله عليه وآله مصابيح الدجى، والحجج الواضحة لأهل الحجى، وسلم تسليما.
أما بعد: فهذا كتاب منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان، أجمعنا على أن نورد فيه بتوفيق الله تعالى ما تبين لنا انتظامه في سلك الاتصاف
بأحد الوصفين في الجملة (1) من الأخبار المتضمنة للأحكام الشرعية المتداولة في الكتب الفقهية التي اشتملت عليها الكتب الأربعة المختصة بين المتأخرين من علمائنا بزيادة الاعتناء لما رأوا لها من المزية، بحيث استأثرت الآن من بين كتب حديث أهل البيت عليهم السلام على كثرتها بالوجود والمعلومية، وهي الكافي للشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، وكتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، وتهذيب الأحكام، والاستبصار للشيخ السعيد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي - رضي الله عنهم -.
والذي حدانا على ذلك ما رأيناه من تلاشي أمر الحديث، حتى فشا فيه الغلط والتصحيف، وكثر في خلاله التغيير والتحريف، لتقاعد الهمم عن القيام بحقه، وتخاذل القوى عن النهوض لتلافي أمره، مع أن مدار الاستنباط لأكثر الأحكام في هذه الأزمان عليه، ومرجع الفتاوي في أغلب المسائل الفقهية إليه. ولقد كانت حاله مع السلف الأولين على طرف النقيض مم هو فيه مع الخلف الآخرين، فأكثروا لذلك فيه المصنفات، وتوسعوا في طرق الروايات، وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفة، ولا تعرض للتميز بين سليم الإسناد وسقيمه، اعتمادا منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل الضعف طريقه، وتعويلا على الأمارات الملحقة لمنحط الرتبة بما فوقه كما أشار إليه الشيخ - رحمه الله - في فهرسته حيث قال: إن كثيرا من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وكتبهم معتمدة.
