Müteşâbihü'l-Kur'ân
اعلم أن كل فعل لا تعلم صحته ولا وجه دلالته إلا بعد أن يعرف حال فاعله، « ولا يمكن (1) أن يستدل به على إثبات فاعله ولا على صفاته، وإنما يمكن أن يستدل به على ما سوى ذلك من الأحكام، لأنه إن دل على حال فاعله، ولا يعلم صحته إلا وقد علم فاعله؛ أدى ذلك إلى أنه لا يدل عليه إلا بعد المعرفة به، ومتى علم الشيء استغنى عن الدلالة عليه
ويبطل ذلك من وجه آخر: وهو أنه يؤدى إلى أن لا تعلم صحة القرآن إلا بعد معرفة الله تعالى، ولا يعرف تعالى إلا بعد معرفة القرآن، وذلك يوجب أن يدل كل واحد منهما على ما عليه، وأن يكون دليلا على نفسه
فإن قال: ومن أين أن صحة القرآن لا تعلم إلا بعد معرفة الله؟
قيل له: لأن الخبر لا يعلم بصيغته أنه صدق أو كذب « حتى إذا علم حال المخبر صح أن نعلم ذلك (2)» وقد علمنا أن ما أخبر جل وعز عنه فى القرآن لم يتقدم لنا العلم بحال مخبره، فيجب أن لا يعلم أنه صدق إلا بعد العلم بحال المخبر وأنه حكيم. والقول فى الأمر والنهى كالقول فى الخبر.
فان قال: ومن أين أن وجه دلالته لا تعلم إلا بعد معرفة الله تعالى؟
قيل له: لأنه إنما يدل بأن يصدر من حكيم لا يجوز أن يختار الكذب والأمر بالقبيح، ومتى لم يكن فاعله بهذه الصفة لم يعلم وجه دلالته، فيجب أن يعلم أولا أنه عز وجل حكيم لا يختار القبيح، حتى يصح أن يستدل بالقرآن على ما يدل عليه، وذلك يمنع من أن يستدل به على إثباته تعالى وإثبات حكمته.
وبعد، فليس يخلو من خالف فى ذلك من أن يقول: أخبار القرآن تدل، مع التوقف فى لونها من قبيل الصدق، أو يقول: إنها لا تدل إلا وقد علم أنها صدق.
ولا شبهة فى فساد الأول، لأن كل خبر كونه كذبا غير دال على حال مخبره، وإذا صح ذلك فلا بد من أن يعلم كونه صدقا، ولا يخلق العلم بذلك دون (1) أن يرجع فيه إلى نفس الخبر، أو إلى خبر سواه، او إلى دليل العقل.
ولا يصح أن يعلم أن الخبر صدق بنفسه، لأنه إنما يدل على حال غيره لا على حال نفسه.
وإن علم أنه صدق بخبر آخر لم يخل من أن يكون واردا عن الله عز وجل أو عن غيره، ولا يجوز أن يرجع إلى خبر غيره. وخبره عز وجل إذا رجع إليه ولما علم حاله فى الحكمة فكأنه استدل على أنه صادق فى سائر أخباره، ومتى جوز فى سائر أخباره الكذب يجوز فى هذا الخبر مثله، فلا يصح النقد به. ولذلك قلنا: إن المجبرة إذ (2) جوزت عليه عز وجل أن يفعل القبيح لا يمكنها المعرفة بصدقه عز وجل، لا من جهة العقل، ولا من جهة السمع
