Nakdu Kitabi'l-Islam ve Usuli'l-Hukm
تأليف
محمد الخضر حسين
إهداء الكتابإلى خزانة حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر المعظم
تلقيت علوم الشريعة الإسلامية عن أساتيذ لهم غوص في أسرار التشريع، فعرفت أن في كل حلقة من سلسلة حياة محمد
صلى الله عليه وسلم
معجزة، فإن أساليب دعوته وحكمة شريعته لا تربطها بالأمية إلا يد فوق يد الطبيعة البشرية.
رأيت وأنا بتونس أن القيام بحق الإسلام يستدعي مجالا واسعا، وسماء صافية، فهاجرت منها والعيش رغيد، والأمة في إقبال، والإخوان في مصافاة، وأنزلت رحلي بدمشق الشام، فمدت لنا الأيام من الأمل طرفا، فإذا رحى الحرب العامة تدور، وحامل رايتها ينجد ويغور.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأخذت البلاد العربية والتركية هيئة غير هيئتها، هبطت مصر فلقيت على ضفاف وادي النيل علما زاخرا، وأدبا جما، فلم ألبث قليلا حتى شهدت من حضرة صاحب الجلالة ملك مصر المعظم غيرة على دين الحق، وعناية برفع شأن المعاهد العلمية الإسلامية، فقلت: إن في هذه الغيرة والعناية لحماية للدين الحنيف من نزعة ترمي حوله بشرر الكيد والأذى.
تلك المزية التي أصبح بها صاحب الجلالة واسطة عقد ملوك الأمم الشرقية قد أخذت في نفسي مأخذ الإكبار والإجلال، ودعتني إلى أن أقدم إلى خزانته الملكية مؤلفا قمت فيه ببعض حقوق إسلامية وعلمية؛ وهو: «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم»، ورجائي أن يتفضل عليه بالقبول، والله يحرس ملكه المجيد، ويثبت دولته على دعائم العز والتأييد.
المخلص في الطاعة
محمد الخضر حسين
تمهيدبسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله على الهداية، وأسأله التوفيق في البداية والنهاية، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد المبعوث بأكمل دين وأحكم سياسة، وعلى آله وصحبه وكل من حرس شريعته بالحجة أو الحسام وأحسن الحراسة.
وقع في يدي كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق فأخذت أقرؤه قراءة من يتغاضى عن صغائر الهفوات، ويدرأ تزييف الأقوال بالشبهات، وكنت أمر في صحائفه الأولى على كلمات ترمز إلى غير هدى، فأقول: إن في اللغة كناية ومجازا، ومعميات وألغازا، ولعلها شغفته حبا حتى تخطى بها المقامات الأدبية إلى المباحث العلمية، وما نشبت أن جعلت المعاني الجامحة عن سواء السبيل تبرح عن خفاء، وتناديها قوانين المنطق فلا تعبأ بالنداء.
وكنت - بالرغم من كثرة بوارحها - أصبر نفسي على حسن الظن بمصنفها، وأرجو أن يكون الغرض الذي جاهد في سبيله عشر سنين حكمة بالغة، وإن خانه النظر فأخطأ مقدماتها الصادقة، وما برحت أنتقل من حقيقة وضاءة ينكرها، إلى مزية مجاهد خطير يكتمها، حتى أشرفت على خاتمته، وبرزت نتائجه، وهي أشبه بمقدماته من الماء بالماء، أو الغراب بالغراب!
