Nazariyyetu'l-Ma'rife
تأليف
زكي نجيب محمود
مقدمةتحليل «المعرفة» الإنسانية من شتى نواحيها، يوشك أن يكون هو الشغل الشاغل للفلسفة منذ القرن السابع عشر حتى اليوم، أو هو - على الأقل - أهم مشكلة تناولتها الفلسفة في هذه الفترة من تاريخها، ولو تتبع هذه المشكلة مؤرخ ليرى كيف نشأت، ثم كيف نمت وتطورت وتعددت فيها الآراء وتشعبت المذاهب؛ لوجد نفسه متتبعا لتاريخ الفلسفة في عصرها الحديث.
لكنني في هذا الكتاب لم أتناول المشكلة على أساس تاريخي يجعل الأسبق منها في الظهور الزمني أسبق كذلك في تناوله بالبحث، بل تناولتها على أساس الموضوعات المختلفة التي تعرضت لها. وقد كان كل موضوع منها بمثابة سؤال ألقاه الفلاسفة على أنفسهم، ثم حاولوا الإجابة عنه كل حسب مذهبه: فما طبيعة المعرفة؟ وما مصدرها؟ وما حدودها؟
ولما كنت قد قصدت بهذا الكتاب إلى طلبة السنة الثالثة الثانوية من قسم الآداب - وهم أولئك الذين يلتقون بالفلسفة في دراستهم لأول مرة - فقد حاولت جهدي أن أعرض الفكرة في عبارة سهلة واضحة، مكتفيا من الموضوع بمعالمه الرئيسية، مجتنبا كل ما قد يعوق الفهم الواضح من تفصيل أو استطراد أو إحالات إلى فلاسفة أو مؤلفات مما قد يجاوز مستطاع الطالب في هذه المرحلة الأولية من دراسته الفلسفية.
وإني لآمل أن أكون قد وفقت إلى ما قصدت إليه.
زكي نجيب محمود
يناير 1956م
تمهيد في تحديد المشكلةها أنا ذا جالس إلى جوار مكتبي، الورق أمامي والقلم في يدي، وعلى المكتب مصباح يضيء وساعة تدق، وإلى يميني كتب أربعة، وإلى يساري نافذة أنظر خلالها فأرى سماء زرقاء، ونباتا أخضر، وأسمع صوت المارة وجلبة العربات في الطريق. وهكذا كلما شخصت ببصري هنا أو هناك أو أصخت بسمعي؛ رأيت شيئا أو سمعت صوتا، فأزداد علما بما يحيط بي. ثم ها أنا ذا أسند رأسي إلى ظهر مقعدي صارفا نظري وسمعي عما يحيط بي الآن، مستعيدا بعض خبرات الماضي؛ فترتسم في ذهني صور مما قد رأيت، وترد على خاطري معلومات كثيرة مما قد عرفت. فأنا مزود بحصيلة من معارف جمعتها على مر الزمن من مشاهداتي المباشرة أو مما سمعته من الناس أو ما قرأته، أو من استدلالات استنتجتها من تلك المشاهدات والقراءات. ولو وضعت مكاني قطعة من حجر فيحيط بها ما كان يحيط بي من أشياء؛ لما أدركت أمامها ورقا أو أحست بسطحها قلما، ولا رأت مصباحا يضيء، ولا سمعت ساعة تدق، ولما كان في مستطاعها أن تستعيد شيئا من خبرات ماضيها؛ فقطعة الحجر، وإن تكن قد مرت بها أحداث كما تمر بي الأحداث، وربما تركت فيها أحداثها آثارا كما تترك أحداثي في آثارا، إلا أنني «أعرف» ما يحيط بي وما مر في خبرتي. وقطعة الحجر لا «تعرف». وسؤالنا الآن هو: ما طبيعة هذه المعرفة؟ ما سبيل الإنسان إلى اكتسابها؟ وهل في وسعه أن يعرف كل شيء؟ أم أن لمعرفته تلك حدودا تقف عندها، ولا تجاوزها؟
