Nefâisü't-te'vîl
والخطاب هو الكلام إذا وقع على بعض الوجوه، وليس كل كلام خطابا، وكل خطاب كلام. والخطاب يفتقر في كونه كذلك على إرادة المخاطب لكونه خطابا لمن هو خطاب له ومتوجها إليه، والذي يدل على ذلك أن الخطاب قد يوافقه في جميع صفاته من وجود وحدوث وصيغة وترتيب ما ليس بخطاب، فلا بد من أمر زائد به كان خطابا، وهو قصد المخاطب. ولهذا قد يسمع كلام الرجل جماعة ويكون الخطاب لبعضهم دون بعض لأجل القصد الذي أشرنا إليه المخصص لبعضهم من بعض، ولهذا جاز أن يتكلم النائم، ولم يجز أن يخاطب، كما لم يجز أن يأمر وينهى.
الثاني: أقسام الخطابوينقسم الخطاب إلى قسمين مهمل ومستعمل.
فالمهمل: ما لم يوضع في اللغة التي أضيف أنه مهمل إليها لشيء من المعاني، والفوائد.
وأما المستعمل: فهو الموضوع لمعنى، أو فائدة. وينقسم إلى قسمين.
أحدهما: ما له معنى صحيح وإن كان لا يفيد فيما سمى به كنحو الألقاب مثل قولنا: زيد وعمرو، وهذا القسم جعله القوم بدلا من الإشارة ولهذا لا
يستعمل في الله تعالى. والفرق بينه وبين المفيد أن اللقب يجوز تبديله وتغييره، واللغة على ما هي عليه، والمفيد لا يجوز ذلك فيه؛ ولهذا كان الصحيح أن لفظة شيء أليست لقبا، بل من قسم مفيد الكلام؛ لأن تبديلها وتغييرها لا يجوز، واللغة على ما هي عليه.
وإنما لم تفد لفظة شيء، لاشتراك جميع المعلومات في معناها، فتعذرت فيها طريقة الإبانة والتمييز. فلأمر يرجع إلى غيرها لم تفد، واللقب لا يفيد لأمر يرجع إليه.
والقسم الثاني من القسمة المتقدمة: هو المفيد الذي يقتضى الإبانة. وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يبين نوعا من نوع، كقولنا: لون، وكون، واعتقاد، وإرادة. وثانيها: أن يبين جنسا من جنس كقولنا: جوهر، وسواد، وحياة، وتأليف. وثالثها: أن يبين عينا من عين كقولنا: عالم، وقادر، وأسود، وأبيض (1).
الثالث: البحث في الحقيقة والمجازوينقسم المفيد من الكلام إلى ضربين: حقيقة ومجاز. فاللفظ الموصوف بأنه حقيقة هو ما أريد به ما وضع ذلك اللفظ لإفادته إما في لغة، أو عرف، أو شرع. ومتى تأملت ما حدت به الحقيقة وجدت ما ذكرناه أسلم وأبعد من القدح. وحد المجاز هو اللفظ الذي أريد به ما لم يوضع لإفادته في لغة، ولا عرف، ولا شرع.
ومن حكم الحقيقة وجوب حملها على ظاهرها إلا بدليل. والمجاز بالعكس من ذلك، بل يجب حمله على ما اقتضاه الدليل. والوجه في ثبوت هذا الحكم للحقيقة أن المواضعة قد جعلت ظاهرها للفائدة المخصوصة، فإذا خاطب
