Neş'etu'l-felsefeti'l-ilmiyye
تأليف
هانز ريشنباخ
ترجمة
فؤاد زكريا
مقدمة المترجمأستطيع أن أعد ترجمتي لهذا الكتاب عملا صحيح التوقيت؛ فالكتاب يعرض وجهة نظر فيلسوف من أكبر ممثلي المذهب الوضعي المنطقي (أو التجريبي المنطقي، كما يفضل هو ذاته أن يسميه)، وذلك في وقت شغلت فيه المعركة الدائرة بين أنصار هذا المذهب وخصومه صفحات غير قليلة من مجلاتنا الثقافية، بل من جرائدنا اليومية أحيانا. ولا أستطيع أن أزعم أنني كنت طرفا في هذه المعركة، غير أنني عندما أحسست أنها اتخذت أبعادا أضخم مما ينبغي، وشابها كثير من سوء الفهم والتواء التفسير، حاولت أن أعبر عن شعوري إزاءها في مقال وصفتها فيه بأنها «معركة الملل» (جريدة الجمهورية 24 نوفمبر 1966م)، وقوبل هذا المقال - شأنه شأن كثير من محاولات تبديد سوء التفاهم - بشيء من الغضب من طرفي النزاع معا!
ولقد تبين لي أن الأمر يحتاج إلى أكثر من مجرد مقال، وأنه لا بد من تقديم وجهة النظر موضوع النزاع على نحو أوسع وأكثر شمولا، لعل الاطلاع عليها أن يفيد جمهرة المثقفين في تبين بعض معالم المذهب الذي يتحدثون عنه. وعلى الرغم من أنني لم أكن في وقت من الأوقات من أنصار هذا المذهب، فإني لست، في الوقت ذاته، من أنصار مناقشة المسائل الفلسفية دون إلمام كاف بأبعادها الحقيقية؛ لذلك فقد وجدت الفرصة سانحة لإنجاز ترجمة هذا الكتاب أملا في أن يسهم في إلقاء الضوء على هذا المذهب، بحيث يتعرف عليه القارئ العربي من خلال كلمات واحد من أكبر ممثليه الأصليين، ويستطيع أن يصدر عليه حكما موضوعيا، بعيدا عن تلك الحساسيات التي تثور بين مفكرينا المحليين لأسباب قد لا تكون كلها علمية!
إن بلادنا تشهد اهتماما غير مألوف بالمشكلات الفلسفية، تعدى نطاق المتخصصين وشمل عددا غير قليل من أصحاب الثقافات المتباينة التي قد لا يكون لها اتصال مباشر بميدان الفلسفة. وهذا الاهتمام، في واقع الأمر، سلاح ذو حدين؛ فهو من جهة يفيد الفلسفة فائدة لا شك فيها، من حيث إنه يوسع قاعدة قرائها ودارسيها، ويجلب لها جمهورا لم يكن أحد يتصور أن الفلسفة ستجتذبه يوما ما. ولعل هذا هو القصد الحقيقي من الدراسة الفلسفية؛ إذ لا ينبغي أن تكون الفلسفة مبحثا يقتصر الاهتمام به على المتخصصين، وإنما يجب أن تتغلغل في الحياة العقلية للمثقفين بوجه عام، وتساعد كلا منهم على تكوين فهم أعمق للعالم الذي يعيش فيه. ومن المؤكد أن اقتصار الاهتمام بالفلسفة على مجموعة من المحترفين الذين لا يفهم أسرارها ولا يحل شفراتها سواهم، هو مظهر تدهور لا مظهر تقدم للفكر الفلسفي، غير أن لاتساع قاعدة الاهتمام بالفلسفة على هذا النحو وجها آخر، نستطيع أن نصفه بأنه وجه سلبي؛ إذ إن المناقشة والمجادلة الفلسفية يمكن أن تهبط إلى مستوى يشوبه قدر غير قليل من المغالطة؛ إذ كان أحد طرفيها أو كلاهما من الهواة الذين يخوضون ميدان الجدل وكأنهم متخصصون. ولقد كان واضحا، في المعركة الفكرية المتعلقة بالوضعية المنطقية، أن قدرا كبيرا من الخلاف يرجع إلى التسرع في فهم الآراء موضوع البحث، أو تحميلها من المعاني فوق ما تحتمل ، أو الانتقال بها من مجال إلى مجال آخر على نحو غير مشروع؛ وهذه كلها أمور يمكن معالجتها بالرجوع إلى المصادر الأصلية، ودراستها بأناة وروية.
