Raeytu fîmâ yera'n-nâim
تأليف
نجيب محفوظ
أهل الهوىمن فوهة القبو دائمة الظلمة، زحف على أربع، زحف في بطء وتخاذل المريض المتهالك. مد ذراعه إلى جدار بيت يتكئ عليه، ليقف في عناء مترنحا، تاركا تأوهاته المتقطعة تتلاحق في وهن. وفي صباح باكر مشرق بنور الربيع الصافي، والحياة تدب متدفقة في الحوانيت على الجانبين وفوق عربات اليد ونوافذ البيوت المتلاصقة العتيقة، والسماء تعلو فوق كل شيء سقفا من الزرقة الرائقة، بدا عاريا تماما، فلفت الأنظار، خاصة أنظار الأقربين، «نعمة الله الفنجري» تاجرة الخردة، «رياض الدبش» الكواء البلدي، و«حلومة الجحش» بياع الفول. تفرست نعمة الله في منظره من مجلسها فوق الكرسي الخشبي أمام وكالة الخردة، وجسمها العملاق ساكن في جلبابها الرجالي الأزرق، وتمتمت: يا فتاح يا عليم!
فقال رياض الدبش الكواء، وهو يتابعه بوجهه المغولي: وراءه حادثة من حوادث القبو.
فقال حلومة الجحش بجسمه القصير البدين ووجهه الريان: يفعلها الذئاب، ونتعب نحن بين «س» و«ج».
واصلت نعمة الله تفرسها، حتى وضح في وجهها ذلك المزيج الغريب المكون من قوة مخيفة وأنوثة ناضجة مكشوفة، ثم قالت بنبرة خبير: ابن ناس!
تجلى الاهتمام في عيني الرجلين، فتبادلا نظرة معبرة ربطت ما بين الدكانين الواقعين في مواجهة الوكالة في الجانب المقابل، ثم حدجا القادم من المجهول بنظرة جديدة. إنه شاب في الحلقة الثالثة، ناعم البشرة، مهذب الملامح، أبعد ما يكون عن الوجوه الكالحة المعهودة، ثم قال رياض الدبش مداريا انفعاله: اعتداء وسرقة!
ومضى يتجمع حوله جمهرة من المشاهدين، ولكن نعمة الله نهرتهم فتفرقوا سراعا، وجاء مخلوف زينهم من أمام العيادة في الوسط، فتلقى الشاب بين يديه قبل أن يسقط فوق أديم الأرض عاجزا عن التماسك، ونادى عبدون فرج الله الشاب العامل في الوكالة، فأذنت له المرأة بتلبية النداء ، فتعاونا - مخلوف الممرض وعبدون - على حمله إلى العيادة. هناك أنامه مخلوف فوق كنبة وغطاه بملاءة، منتظرا قدوم الطبيب محسن زيان في ميعاده من الضحى. إنه رجل كهل فقد في الحرب ابنا في مثل سنه، ولا ينقصه العطف على أي شاب، رغم إيلافه مناظر العناء والمرض. ولما فحصه محسن زيان الطبيب البدين ذو النظرة الخاملة الطيبة، تمتم: كدمات في الرأس والجبين نتيجة ضربات شبه قاتلة، علينا أن نبلغ الشرطة.
فقال مخلوف زينهم بامتعاض: إنهم ذئاب القبو، وستغضب نعمة الله!
تبادلا نظرة تسليم واحتجاج، ثم تمتم الممرض: إنهم تحت حماية المرأة، وهم جنودها السريون عند الحاجة، ولا قبل لأحد بتحديها.
