Risâle fî ma'na'l-Mevlâ
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ المفيد رضي الله عنه: أنكر رجل من البهشمية (1) - ضمنا وإياه وجماعة من المعتزلة والمجبرة مجلس - أن يكون قول رسول الله صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (2) يحتمل الإمامة، أو فرض الطاعة والرئاسة.
وقال: غير معروف في اللغة، ولا معلوم عند أهلها، أن (المولى) إمام، ولا مفترض الطاعة، ولا يعبر أحد منهم (3) عن الإمام ب (المولى) ولا
عن المفترض الطاعة، إلا إذا كان فرض طاعته من جهة الملك.
وقال: إن أهل اللغة هم الأصل في هذا الباب، وإليهم يرجع في صحته وفساده، وإذا ثبت عنهم ما ذكرناه في نفي معناكم في (مولى) من لفظه، سقط تعلقكم.
فقلت له: ما أنكرت على من قال، لك إنك لم تزد على الدعوى في جميع ما ذكرته شيئا، وأن اللغة وأهلها بخلاف وصفك من إقرارهم بتضمن لفظة (مولى) الإمامة، وعلمهم بذلك وظهوره وانتشاره في أشعارهم، وكثرته في استعمالهم.
فمن ذلك قول الأخطل (1) وهو يمدح عبد الملك بن مروان، 2) حيث
يقول:
فما وجدت فيها قريش لأمرها * أعف وأوفى من أبيك وأمجدا فأورى بزنديه ولو كان غيره * غداة اختلاف الناس أكدى واصلدا فأصبحت مولاها من الناس كلهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا فوصفه بأنه أصبح إمامها ورئيسها من بين كل الناس بلفظة " مولاها ".
والأخطل من لا يطعن عليه في العربية، ولا يمكن تخطئته فيما علم من جهة اللغة، كان أحد شعراء العرب وفصحائهم، والمبرزين في معرفة العربية.
والكميت بن زيد (1)، وهو ممن استشهد بشعره في كتاب الله عز وجل، وأجمع أهل العلم على فصاحته ومعرفته باللغة، ورئاسته في النظم،
وجلالته في العرب، حيث يقول في قصيدته المشهورة:
ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطرا مبيعا فلم أبلغ به لعنا ولكن * أساء بذاك أولهم صنيعا وأوجب له الإمامة بخبر الغدير، ووصفه بالرئاسة من جهة " المولى ".
وليس يجوز على الكميت مع جلالته في اللغة والعربية وضع عبارة على معنى لم يوضع عليه قط في اللغة، ولا استعملها قبله فيه أحد من أهل العربية، ولا عرفتها شئ عنه (كذا) كما وصفت أحد منهم، لأنه لو جاز ذلك عليه جاز على غيره ممن هو مثله، وفوقه، ودونه حتى يفسد اللغة بأسرها، ولا يكون لنا طريق إلى معرفة لغة العرب على الحقيقة، وينغلق الباب في ذلك.
ثم من تقدم هذين الرجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وفصحاء العرب الذين تحدوا بالقرآن، وكان علامة إعجازه عجزهم عنه، وقد شهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول هذا الكلام في أمير المؤمنين عليه السلام، ووصفه به، وفهموا معناه، واضطروا إلى قصده فيه، لمشاهدتهم مخارج ألفاظه ومعاينتهم إشاراته، واضطرارهم بتحصيل ذلك إلى مراده، كقيس بن سعد بن عبادة رحمه الله (1) حيث يقول في
