Risale fi'l-kitabeti'l-Arabiyyeti'l-munakkaha
الكتابة العربية المنقحة
الكتابة العربية المنقحة
رسالة في الكتابة العربية المنقحةتأليف
أنستاس ماري الكرملي
الكتابة العربية المنقحة(1) لمحة في تغير الحروف
لم تكن الكتابة العربية بهذه الصورة التي نعرفها بها اليوم، في كل وقت من حياتها؛ بل مرت بأطوار مختلفة، تنقلت فيها من حالة إلى حالة أرقى منها، على حد ما نرى نشوء ابن آدم منذ تصوره في بطن أمه إلى أن يدب، ويشب، ويكهل، فيكمل.
كان في ديار العرب قبل الإسلام قلمان شائعان رئيسان، يختلف أحدهما عن الآخر كل الاختلاف، وذلك بنحو سبعمائة سنة. وكان الأول معروفا في الجهة الشمالية من الجزيرة، والثاني في الربوع الجنوبية منها. ويسمى الأول ب «الخط النبطي»؛ لأنه كان مبثوثا في الديار التي كان فيها النبط؛ أولئك النبط الذين كان لسانهم عربيا أو قريبا كثيرا من العربية، لا نبط العراق أو البطائح.
ويسمى الثاني ب «المسند»؛ لأنه كثيرا ما كان يزبر على الصخر أو الحجر، فكأنه كان يسند إليه، على ما روى لنا هذه الرواية أصحاب بعض التواريخ والأخبار.
ثم انتقل الخط النبطي من صورة إلى صورة أحسن منها، وأجلى للعين وأظهر، حتى صار إلى الحالة التي نراه فيها. وقد بلغ التحقيق بالمستشرقين إلى القول بأن الخط الذي نسميه اليوم بالنسخي غير مشتق من الكوفي، على ما كان يزعمه بعض الأقدمين.
وأما «المسند» فقد زال من عالم الكتابة شيئا فشيئا عند ظهور راية الإسلام، واقتبس العرب الخلص حروفهم وترتيبها من عرب الأنباط، وهؤلاء من الآرميين، وهؤلاء من الفنيقيين. وكانوا من أصحاب التجارات، ويحسنون الكتابة والقراءة. وكان للسلف حروف وحركات غير ما نعرفها لهم اليوم من هذا القبيل؛ لأنهم كانوا قبائل شتى، واختلطوا بأمم مختلفة، فكانوا ينطقون بأنواع الحروف والحركات على ما وصلت إليهم من أجدادهم، أو على ما اقتبسوا بعضا منها من محالفيهم.
ولما اقتبس العرب حروفهم أو كتابتهم من الآرميين أو الفنيقيين، الذين كانوا قد اضطروا إلى اتخاذ الكتابة لتجارتهم ومعاملاتهم للغير؛ اتخذوا ما عندهم من الحروف ، وعلى ترتيب ما كانت مستعملة عند أولئك الناس، ثم زادوا عليها أحرفا كانت تميز لغتهم عن سائر اللغات، ففازوا بالفتح المبين الذي تاقت نفوسهم إليه، لكنهم - لسوء الحظ - لم يقيدوا جميع ما كان عندهم من الحروف الجارية على ألسنتهم يومئذ، ولا كل ما كان عندهم من الحركات المختلفة؛ فكانوا يصورون الحروف التي لا صور لها بحروف تقاربها صوتا. وكذلك فعلوا بالحركات. واعتمدوا على التلقين والرواية والسماع لمعرفتها معرفة صحيحة، فضاع من اللفظ العربي الصحيح شيء كثير، لا سيما من لفظ أولئك الذين ما كانوا يتلقون النطق بالحروف من الشيوخ الأئمة أو الرواة الصادقي العلم، بل من أجانب لم تكن حلوقهم مخلوقة للأصوات العربية أو السامية، أو الجامعة بين الحروف السامية واليافثية، أو السامية الحامية معا.
