Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Sabahu'l-verd

صباح الورد
Necib Mahfuz
۩
صباح الورد
نجيب محفوظ
Edebiyat & Roman
صباح الورد

تأليف

نجيب محفوظ

أم أحمد

لو رجعت إلى الذاكرة ما وجدت إلا صورا متناثرة لا تعني شيئا؛ قمرا يطل من نافذة عالية، أقمارا ثلاثة يخرجن من تحت القبو صفا واحدا، حنطورا يتهادى في الميدان بامرأة كالمحمل. الزمن القديم في الحي العتيق، لم يبق من حياته الحافلة إلا ما تعيه الطفولة؛ مناظر غائمة، وأصوات غائبة، وحنين دائم، وقلب يخفق كلما حركته روائح الذكريات. ما كان أجدر ذلك كله أن يتلاشى في ظلمة الماضي، فلا يستطيع الحب أن يستنقذه من الموت، لولا خالدة الذكر أم أحمد! قوية، سمراء، متحدية، في ملاءتها اللف، ووجهها السافر، وشبشبها الرنان، وصوتها الغليظ النافذ، ولسانها الذي لا يهمد ولا يعرف الحرج، بيتها كان يقع ملاصقا للشرفة التاريخية لبيت القاضي، يصل إليه الزائر من ممر ضيق متصاعد مترب، في جانبه كارو قديمة مركونة مهملة، وأحيانا يرى حمارا واقفا يقتات التبن من مخلاة تطوق علاقتها عنقه، كان يشدني إلى مأواها العربة المهملة والأمل المثابر العنيد في الالتقاء بالحمار الهادئ العذب، وهناك أراها وهي تطهو الطعام أو تطعم الدجاج أو تتسلى بمشاجرة شفهية عابرة. في شبابها اليافع - الذي لم أشهده - كانت زوجة لمعلم كارو.

أنجبت منه بكريها أحمد وزينب وسيدة وسنية، ولعلي لمحت الرجل وابنه مرة أو مرات كشيئين من الأشياء التي يموج بها الميدان التاريخي، ميدان بيت القاضي، ولكني علمت مع الأيام أن المعلم قتل في معركة بأرض المماليك، وأن ابنه أحمد مات في السجن. ولم أشهد أم أحمد في حزنها، حتى حين لحقت زينب بأبيها وأخيها لمرض فتك بها في زمن متأخر نسبيا. كلا، لا أذكر أني رأيتها باكية أو مولولة أو شبه يائسة، ما عهدتها إلا متماسكة قوية ضاحكة أو محدثة، غارقة حتى قمة رأسها في أعمالها، ومشروعاتها، تعيش يومها وتبني للغد. وأذكر قول أمي عنها «لولا قوتها الخارقة لأهلكتها الأحزان.» وهو قول لم أع معناه تماما إلا فيما بعد، فعلمت أن أم أحمد التي عرفتها ما هي إلا الثمرة الأخيرة لصراع طويل مع الألم كتب لها فيه النصر؛ فمنذ وجدت نفسها وحيدة توثبت بهمة صلبة للكفاح في الحياة المتاحة، حتى ظفرت بوظيفتها المرموقة في الميدان والحارات المتفرعة عنه، فباتت أشهر شخصية دون منازع، هي الخاطبة والماشطة وإخصائية التجميل والسعادة الزوجية، وشقت طريقها إلى سرايات الحي جميعا وبيوت الطبقة الوسطى، إلى قيامها بمهام الصحافة والإذاعة والمخابرات، وتحسنت أحوالها، ثم توجت كفاحها بتشييد بيت لها من طابقين على كثب من قسم الجمالية. وألحقت سيدة بالمدارس فصارت معلمة، أما بنتها الصغرى، وكانت أجمل إنتاجها كله، فقد أحبها ابن الأسرة الساكنة في الطابق الأول من بيتها وتزوج منها، وأصبحوا فيما بعد من رجال التربية الكبار في مصر. المهم أن أم أحمد جذبتني بسحر حكاياتها عن الجيران، وخاصة أهل الطبقة العليا، وهي حكايات لا يعرف مدى الصدق فيها إلا الله، ولكنها تحرك الشهية دائما لدورانها حول أولئك السادة الممتازين. ولم تنقطع أم أحمد عن زيارتنا عقب انتقالنا إلى العباسية؛ فقد سبقنا أهل السرايات إلى العباسية الشرقية، فانتقل المجال الحيوي لأم أحمد من حي الحسين إلى العباسية تبعا لذلك، مؤصلة ممارسة وظائفها الساحرة. ولم تتوقف عن نشاطها حتى بعد أن تقدم بها العمر، أو بعد أن أدت فريضة الحج وأمست الحاجة أم أحمد، ولكنها اضطرت إلى لزوم دارها بعد أن زحف عليها العجز وضعف بصرها وقلت حركتها قبل رحيلها عن الدنيا في ختام الثمانينيات. ولا أزعم أنها أحسنت تعريفي بأفراد السادة والسيدات من أهل سرايات حارتنا، ولعلها هي نفسها لم يتح لها أن تعرف حقيقتهم، ولكنها اهتمت بعموميات لا بأس بها، وبشئون مما يتصل بعملها، وعلى أي حال فقد عرفت حقائق عن الأسر ككل، كما عرفت أشياء عن مصائرها. وهي في جملتها تعد ثروة هامشية تضاف إلى التجارب التي حصلها الإنسان بنفسه وحواسه وقلبه. ورغم ما عرفت به أم أحمد من صفات الغجر فقد حظيت بإعجابي لقوتها الذاتية وصلابتها وشجاعتها وذكائها وانتزاعها من الصخر الأصم مكانة مرموقة بين أرقى سيدات ذلك الزمان. ولن أنسى أيضا منظرها وهي واقفة فوق الكارو بين جارات لها في إحدى المظاهرات الوطنية تهتف بصوتها المدوي لسعد ومصر.