Safvetü'l-ihtiyâr fî usûli'l-fıkh
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله على محمد وآله وسلم:
الحمد لله الذي جعل الحمد ذريعة للراغبين فيه إلى أعلى المراتب، والشكر سبيلا للمريدين مما لديه من نفيس المطالب والمكاسب، ويسر ذلك وسهله، وزينه وجمله، وتممه وكمله، بابتعاثه الداعي إليه، والدال عليه، نبي الرحمة، وسيد الأمة، من أشرف بيت في أبناء لؤي بن غالب، وآزره وعضده وعمده بأخيه وابن عمه علي بن أبي طالب؛ فكان صلى الله عليه مدينة العلم وعلي بابها، كما نقل ذلك عنه حملة الهداية وأربابها، من قوله: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها(1))).
وأخرج منهما نسلا كثيرا طيبا، بعثهم في الأرض بمنزلة الكواكب، لا يتأخر طالعهم عند أفول الغارب، أضاءت بأنوار علومهم المشارق والمغارب، ورتعت في رياض حلومهم الأعاجم والأعارب، رسخت بهم أصول الدين، وشمخت فروعه، وابتهج بحميد عنائهم معقول التعبد ومسموعه، أنقذوا عباده من الجهالة، وهداهم بهم من الضلالة، فله الحمد على ذلك كثيرا.
وبعد ذلك: فإن العلم وإن كثرت فنونه، وتفرقت شجونه، فإن أجله قدرا، وأهمه أمرا، وأوجبه حقا بعد معرفة الله سبحانه وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز من توحيده وعدله وصحة نبوة رسله -صلوات الله عليهم-، وما يتعلق بذلك ويبنى عليه من فروعه اللازمة له بعد معرفة كلامه سبحانه، وأقسامه وأحكامه، وما يجوز عليه فيه وما لا يجوز، وكلام نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأقسامه أيضا وأحكامه، وما يجوز عليه وما لا يجوز، وما يتبع ذلك ويبنى عليه من فروعه اللازمة له، ويتعلق به، وحكم عارفه، وحكم جاهله، وحكم ما لم يدخل تحته، وهذا هو المراد بأصول الفقه.
وقد دل على ذلك الدليل العقلي، وترتب عليه التعبد الشرعي؛ فإن الأمر فيه عظيم، والجهل على بعض الوجوه قبيح، ولحاقه بصاحبه أجدر.
ومثاله ما يعلم من أن أحدنا إذا علم أن بين يديه ملكا قادرا وأنه قادم عليه لا محالة، وعلم أن له عليه حقا واجبا، وأن الملك لا يقبل في حقه إلا نقدا مخصوصا، فإنه يجب عليه في قضية العقل معرفة النقد معرفة حقيقة ليحصله مخلصا له عن عهدة ما لزمه، ولا تحصل معرفة بدون دلالة.
ولأنا أيضا قد علمنا من جهة العقل أنه يجب علينا اجتناب قبائح عقلية بالعقل، وعلمنا بالدلالة أنا مع الإتيان بالواجبات الشرعية نكون أقرب إلى الإتيان بالواجبات العقلية، والاجتناب للمقبحات العقلية.
وصار مثال ذلك في الشاهد ما نعلمه من أن أحدنا لو وجب عليه قضاء دين أو رد وديعة، وكان يتمكن من ذلك بفتح الباب، وإخراج المال، وتلحقه بعض مشقة، فإنه يقبح منه انتظار من يتحمل منه مؤنة هذه المشقة، ولا تكون مؤنة الفتح له في ترك الرد والقضاء عذرا، وحق الله سبحانه ألزم من حق العباد، وعهده أمر أوجب، فما أقرب أمر بعض هذين الفنين من بعض، والله المستعان، وما ذكرنا من هذا الإحتجاج هو الذي قضت به أصول أصحابنا، فمن تأملها فضل تأمل علم ذلك، وقد كان من تقدم من آبائنا -صلوات الله عليهم- ومن تابعهم من علماء شيعتهم -رضي الله عنهم- وسعوا في هذين الفنين وصنفوا وأجملوا، وحققوا وجللوا ودققوا؛ فجزاهم الله عنا خيرا.الداعي للأئمة(ص) وعلماء شيعتهم -رضي الله عنهم- إلى التأليف
