Savtu Baris
تأليف
طه حسين
السيلقصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «موريس دونيه»
وأي السيلين أراد؟ ذلك الذي نحسه ونراه ونحبه ونخشاه؛ نحبه لأنه رائع مهيب يمثل ناحية من جمال الطبيعة الرائعة المهيبة، ونخشاه لأنه يعرضنا للخطر أحيانا حين يغشانا ولا ننتظره، وحين يدفعنا ولا نستطيع له مقاومة؟ أما هذا السيل الذي لا نحسه ولا نراه، بل لا نشعر به، وهو يغمرنا في كل وقت ويدفعنا في كل لحظة دفعا عنيفا لا رحمة فيه ولا إشفاق حتى تتم كلمة القضاء؟ أي السيلين أراد! أهذا السيل المادي الذي ينحط من شعاف الجبال فلا يذر شيئا أتى عليه إلا اكتسحه، ولكن العقل الإنساني يستطيع مع ذلك أن يدبره ويسخره لمنافعه؟ أم هذا السيل المعنوي الذي لا سبيل للعقل عليه، وربما لم يشعر به العقل ولم يفرض له وجودا إلا حين لا ينفع الشعور به ولا التفكير فيه؟ أأراد هذا السيل من الماء؟ أم أراد هذا السيل من قوانين الحياة التي لا مرد لها ولا منصرف عنها؟
أي السيلين أراد؟ فالقصة تمثل السيلين؛ فيها السيل المادي، عنيفا خطرا، ينحط من أعلى الجبل في قوة وعنف، فيراه الناس على اختلاف منازلهم من العلم والجهل، ومن الذكاء والغباء، ومن رقة الشعور وصفاقته، فيتأثرون له وينتفعون به على مقدار ما أوتوا من ذكاء وغباء، ومن علم وجهل، ومن رقة وكثافة. يراه العالم فيعلله ويسخره، ويراه الجاهل فيخافه ويخشاه، ويراه الشاعر فيعجب به ويتغنى بروعته، وفيها هذا السيل المعنوي الذي لا تراه العين ولا يدركه الحس، ولا يستطيع أن يسخره عالم ولا أن يخشاه جاهل، ولا أن يفر منه إنسان. فيها سيل الحياة وقوانينها الصارمة التي يخضع لها كل شيء دون أن تخضع لشيء. فيها هذان السيلان، وهو يريد هذين السيلين، يمثلهما وينتفع بهما، فلست أعرف قصة عنيفة كهذه القصة، ولست أعرف قصة محزنة كهذه القصة، ولست أعرف قصة موئسة كهذه القصة؛ فهي عنيفة، محزنة، موئسة؛ قد بلغت من العنف، والحزن، واليأس أقصاها. وهي لا تخلو من ابتسام، ولكنه ابتسام المغرور. وهي لا تخلو من ضحك الجاهل المخدوع. هي قصة موئسة، والشر كل الشر أنها قصة صادقة برئت البراءة كلها من الغلو والإسراف.
زعموا أن «لامرتين» دعا إليه الكاتب الفرنسي المشهور «فلوبير» عندما نشر قصته «مدام بوفاري»، فلامه لأنه أبكاه بهذه القصة، وكل إنسان يشعر ويفكر ويحسن الشعور والتفكير يستطيع أن يصنع مع كاتب هذه القصة التي نتحدث عنها اليوم ما صنعه «لامرتين» مع «فلوبير»، فيلومه لأنه أبكاه. وكذلك نحن، فطرنا ضعافا، نؤثر الغفلة والغرور والجهل والانخداع على أن نعلم بالحقائق كما هي، وننظر إليها مجردة في صورها الصحيحة الصادقة. نحن ضعاف نكره العلم ونخشاه؛ لأننا أضعف من أن نحتمله. ونؤثر الظلمة ونهواها؛ لأن أبصارنا أضعف من أن تثبت للضوء. ونحب أن نظل مخدوعين لأن ظهورنا على الحق يوئسنا ويثنينا عن العمل ويزهدنا في الحياة، وربما بغضها إلينا. ومن يدري! لعل الخير كل الخير في أن نكون جاهلين مخدوعين، فلولا الجهل والانخداع ما عمل الناس ولا أملوا ولا أحبوا. وأي شيء هي الحياة وما فيها من عظيم لولا العمل والأمل والحب! لعل الخير كل الخير في أن نجهل أنفسنا، وفي أن نجهل هذه القوانين التي تسيطر عليها، ولعل هؤلاء الفلاسفة والكتاب الذين يكرهون الناس على أن يفتحوا أعينهم وينظروا فيما حولهم، لعل هؤلاء الفلاسفة والكتاب مخطئون يسيئون إلى الإنسان أكثر مما يحسنون إليه. أيهما خير: العلم أم الجهل؟ مسألة ليس إلى حلها من سبيل. في العلم رقي الإنسان وشعوره بنفسه، ولكن فيه يأسا وضعفا وزهدا في الحياة، وفي الجهل انحطاط الإنسان واتصاله بغيره من هذه الكائنات التي لا تقدر نفسها ولا تعرف للوجود خطرا، ولكن فيه أملا وعملا وإقداما. أيهما خير؟ ...
