Selasetu rical ve'mrae
تأليف
إبراهيم عبد القادر المازني
الفصل الأوللعل من العبث أن يحاول المرء أن يرسم بالقلم صورة لإنسان أو شيء ما، ولا سيما إذا كان الكاتب رجلا والموصوف امرأة؛ فليس أجهل من الرجل بالمرأة ولا من المرأة بالرجل، وإن كانا يعيشان معا، ويتحابان - لا أدري كيف؟ - ويتزاوجان ويعمران الأرض بنسلهما، ويبذران ذريتهما كالحب، ولا تسألني كيف يأتلف هذان المختلفان، ويتواطن هذان الإنسانان - إن صح أن كليهما إنسان - وكل منهما لصاحبه لغز لا حل له؟ فما كنت خلقتهما أو شهدت خلقهما، أو عاصرت جديهما الأعليين حتى أدري.
على أن التصوير بالقلم - وإن كان لا يفيد أحدا صورة واضحة المعارف بينة السمات متميزة اللمحات - يتيح لكل قارئ أن يرسم لنفسه صورة، يؤلفها خياله مما توحي به الأوصاف، وكفى بهذا مغنما، والله أرحم بالكتاب من أن يجعل عناءهم باطلا وتعبهم لا خير فيه.
فلنتشجع إذن، ولنتوكل على الله الحنان المنان.
كانت الليلة ساجية طلقة، والقمر متسقا مضحيا في سماء تبدو في رأي العين كالمخمل، والدنيا المسحورة من نوره الواضح اللين في فوف منسوج من خيوط سود وأخر فضية، وقد أفضلت لها فضول، والأشجار تذهب في الهواء كأنها عمد مدهونة، وتلقي ظلها مونرا على الأرض، وتعطر الجو، والنوافذ والشبابيك كلها مفتوحة يهفو منها ترجيع شجي يمتد به صوت أنثوي ينتقل من نغمة إلى نغمة في غير تكلف أو جهد.
وكان في حديقة البيت جوسق (كشك) سداسي الشكل مصنوع من أعواد الخشب، وقد تعلق به وارتقى فيه وظلله النبات، وفيه مائدة عليها بقية من لحم، وجزلات من رغفان، وقطع من مخلل الخيار واللفت والجزر والباذنجان، وقرص متصدع من جبن حالوم، وزجاجات جعة بعضها نصفان أو دون ذلك، والبعض لا يزال في الثلج وعليه سداده لم ينزع، وقد جلس إلى المائدة ثلاثة أمامهم الأقداح وقد أبطئوا بها بعد أن كادوا يمتلئون من الطعام والشراب.
وأول هؤلاء الثلاثة وأولاهم بالتقديم - وإن لم يكن أحقهم بالتعظيم - عياد وهو شركسي الأصل، يؤمن بالشارب المفتول، والعين الحمراء والبرجمة في الكلام، والزعقة الشديدة حين ينادي خادما أو غيره، وإن كان الجرس قريبا، وزره يتدلى فوق المائدة من سقف الجوسق. ولا نحتاج أن نقول إنه شخيص لحيم، وإنه شديد الوطء على الأرض، وإنه لا خير فيه ولا شر، إلا أن يجيء الخير عفوا، أو يجيء الشر من قلة العقل أو النفخة الكذابة.
والثاني في هذا المجلس: الأستاذ حليم، وهو مدرس قديم ناهز الخمسين، وآثر الراحة، فاعتزل العالم مكتفيا بدخل خاص يسير، ومعاش يقبضه كل شهر من الحكومة وهو قاعد، وهو ضاوي الجسم خفيف اللحم معروق الوجه، دقيق عظام اليدين والرجلين، يأكل كثيرا ولا يرى أثر ذلك عليه في بدنه، وحديثه طويل فلنرجئه إلى أوانه.
