Siretu Ahmed ibn Tolun
الحمد لله وبه أستعين، الحمد لله خالق السموات والأرض وما بينهما من الآيات الدالات على حكمته، الشاهدات على قدرته، المنبهات على وحدانيته، حسن نظم فطرته
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا
فسبحانه من مليك قدير وإله خبير، وصلى الله على محمد رسوله الأمين وخيرته من العالمين، المبشر بالجنة عباده المؤمنين، وبالنار أعداءه الكافرين، وعلى من تقدمه من النبيين، وعلى آله الطاهرين.
فهمت ما ذكرت، جعلني الله فداك، في سيرة آل طولون، وأنك قرأت كتاب أحمد بن يوسف ذلك، فلم يكن موقعه منك الغرض الذي إليه ذهبت، ولا المعنى الذي له نحوت، وأنك تريد ما هو أكبر منه شرحا وأكمل وصفا، وأن أحمد بن يوسف كان يمر في شرح قصة ثم يرجع إلى ما هو قبلها، وأنه كان يخلط أخباره
فيأتي بقصة من قصصه التي تدل على ذكاء عقله وفطنته ولطيف حسه، ثم يأتي بضدها، وأنه لم يأت بجميع أخباره ولا أخبار أبي الجيش ابنه، وما كان من جميل أفعاله، وحسن آثاره، ولا أخبار سائر إخوته بعده.
وقلت ما هكذا أرخ الناس الأخبار، ولا عليه نظم العلماء الآثار، وأردت أن يكون ذلك مستقصى جميعه وعلى ترتيب في شرحه، ولا يذكر آخرا قبل أول ولا يقدم سالفا على آنف، وقد امتثلت أمرك فيما أردت وسلكت فيه الذي اخترت. ولم أدع من أخبار جماعتهم شيئا مثله يؤرخ وبه يتأدب وله يستحسن إلا ذكرته، وجعلت ذلك أبوابا [ولم أذكر في] الباب ما ليس منه شكله، ولا خلطت به ما خرج [عن أصله، وإن] ابن آدم لا يخلو من نقص وتقصير، ولم يعر من ذلك العلماء الواصفون لشرائط الدين، والمبلغون سنن المرسلين، وكيف ما إن قصر عنه مقصر لم يوزر، وإن بالغ فيه مجتهد لم يؤجر.
فأول ذلك، أعزك الله، أن المعتصم بالله لما اختص الأتراك ووضع من العرب، فجعل الأتراك أنصار دولته، وأعلام دعوته، وبذلك احتج عليهم العلوي البصري فقال:
واستفتحوا بالترك أمرهم
لم يستفتحوا بالأوس ولا بالخزرج
فكان من عظمت عندهم منزلته، وحمدت طريقته، ألزموه خدمتهم، وجعلوه الذاب عن بيضتهم، وقلد الأعمال الجليلة الخارجة عن الحضرة،
واستخلفوا له عليها الخلفاء، وحمل إليه مالها، ودعي له على منابرها.
فكانت سبيل مصر عندهم أن يحبى بها من صحت فيه هذه الصفة التي قدمنا ذكرها، كما فعل هارون الرشيد بعبد الملك بن صالح، والمأمون بطاهر بن الحسين، والمعتصم بأشناس، والواثق بإيتاخ، والمتوكل ببغا ووصيف، والمهتدي بيارجوخ، وكما قدم بغا وأتامش وغيرهما فقلدت مصر باكباك والتمس له خليفة فوجه به إليها.
وكان أحمد بن طولون قد مات أبوه في سنة أربعين ومائتين ولأحمد عشرون سنة، من جارية كانت لأبيه تعرف بقاسم، ولدت أحمد في سنة عشرين ومائتين، وولدت بعده أخاه موسى وحبسية وسمانة، وكان طولون من طغرغر، حمله نوح بن أسد عامل بخاراى وخراسان إلى المأمون فيما كان موظفا عليه من المال والرقيق والبراذين وغير ذلك في كل سنة، وذلك في سنة مائتين.
