Takrîbü'l-maârif
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وهو ثقتي الحمد لله رب العالمين، وصلاته على نبيه وآله الطاهرين وسلامه.
أما بعد، فإني مجيب على ما سألتمونيه أدام الله توفيقكم، من إملاء جمل العبارات على المعارف، على وجه يزيد عن تقريب مخل، ويغني عن إطالة ممل، يطلع بها متأملها على تكليفه العقلي، ويقف منها على معظم الغرض الديني، ويتنبه بها المضطلع، ويقتدي بها المبتدئ.
ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق.
مسائل التوحيد
مسألة: (في وجوب النظر) أول الأفعال المقصودة التي لا يصح خلو العاقل منها وجوبا النظر المؤدي إلى المعرفة، يفرق ما بين الحق والباطل.
لأن كل عاقل نشأ بين العقلاء يعلم اختلافهم، ودعوة كل فريق منهم إلى مذهبه وتخويفه من خلافه، فيخافهم لا محالة، وإذا خاف وجب عليه التحرز مما خافه، لعلمه ضرورة بوجوب التحرز من الضرر.
فلا يخلو أن يتحرز باتباع الجل، أو اطراح الجل، أو اتباع بعض عن نظر، أو تقليد.
واتباع الجل محال، لتنافي ما بينهم.
واطراح الجل يقتضي كونه على ما كان عليه من الخوف.
واتباع البعض عن تقليد لا يرفع خوفه مما أطرحه من المذاهب، لتجويز كونه حقا، ولا يقتضي سكونه إلى ما ذهب إليه، لتجويز كونه باطلا.
فلم يبق لتحرزه من الضرر المخوف إلا النظر المميز للحق من الباطل، فوجب فعله، لكونه تحرزا من ضرر (وليس لأحد أن يعترضنا بأن:) ما يعطينا هذا الاستدلال وجوب النظر للتحرز من ضرر المذاهب، ولا يفيد الوجه الذي يشترطونه في وقوع المعارف المتولدة (1) عن النظر الموقع الذي يستحق بها وبما تولدت عنه الثواب ويؤمن العقاب.
لأن الوجه الذي لأجله وجب النظر على جميع الطرق كونه تحرزا من
ضرر مخصوص، وهذا الوجه حاصل في هذه الطريقة، فيجب مساواتها لطريقتي العلم بالثواب والعقاب ووجوب معرفة فاعل الحي وما هو عليه من النفع.
من حيث كان الناظر عند الخوف من معرة أهل الحق والباطل إنما ينظر في الأدلة للوجه الذي خوفه الدائن بها، من كونها (1) طرقا إلى معرفة من خلقه حيا قادرا عاقلا سميعا بصيرا، وخلق المنافع له، وكلفه فعل الواجب وترك القبيح.
ليعلم بمعرفته كونه منعما فيشكره، ومكلفا لما يستحق الثواب عليه من فعل الواجب واجتناب القبيح بفعل هذا والاخلال بذاك فيؤدي الواجب عليه من شكره، فيحوز به المدح والثواب، ويأمن الذم والعقاب، على الوجه الذي يستحق عليه الذم والمدح أقرب من الواجب وأبعد من القبيح.
(و) وقوع نظره على هذا الوجه موجب لحصول المعارف به للوجه الذي له وجبت بغير شبهة، ومقتض لاستحقاق الثواب بما فعله من النظر وتولد عنه من المعرفة.
