Takvîmü'l-büldân
وبه نستعين الحمد لله حمدا يليق بجلاله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وبعد. فإني لما طالعت الكتب المؤلفة في البلاد ونواحي الأرض من الجبال والبحار وغيرها لم أجد فيها كتابا موفيا بغرضي، فمن الكتب التي وقفت عليها في هذا الفن: كتاب ابن حوقل وهو كتاب مطول ذكر فيه صفات البلاد مستوفيا غير أنه لم يضبط الأسماء، وكذلك لم يذكر الأطوال ولا العروض فصار غالب ما ذكره مجهول الاسم والبقعة ومع جهل ذلك لا تحصل فائدة تامة، وكتاب الشريف الإدريسي في" الممالك والمسالك"، وكتاب ابن خرداذبة وغيرها، وجميعهم حذوا حذو ابن حوقل في عدم التعرض إلى تحقيق الأسماء والأطوال والعروض، وأما الزيجات والكتب المؤلفة في الأقوال والعروض فإنها عرية عن تحقيق الأسامي، وعن ذكر صفات المدن.
وأما الكتب المؤلفة في تصحيح الأسماء وضبطها مثل: كتاب" الأنساب" للسمعاني، و" المشترك" لياقوت الحموي، وكتاب" مزيل الارتياب عن مشتبه الانتساب"، وكتاب" الفيصل" كلاهما لأبي المجد إسمعيل بن هبة الله الموصلي، فإنها اشتملت على ضبط الأسماء وتحقيقها من غير تعرض إلى الأطوال والعروض، ومع الجهل بالأطوال والعروض يجهل سمت ذلك البلد، فلا يعرف الشرقي منها ولا الغربي ولا الجنوبي ولا الشمالي، ولما وقفنا على ذلك وتاملناه جمعنا في هذا المختصر ما تفرق في الكتب المذكورة، من غير أن ندعي الإحاطة بجميع البلاد أو بغالبها، فإن ذلك أمر لا مطمع في الإحاطة به، فإن جميع الكتب المؤلفة في هذا الفن لا تشتمل إلا على القليل إلى الغاية.
فإن إقليم الصين مع عظمته، وكثرة مدنه لم يقع إلينا من أخباره إلا الشاذ النادر، وهو مع ذلك غير محقق، وكذلك إقليم الهند، فإن الذي وصل إلينا من
أخباره مضطرب، وهو غير محقق. وكذلك بلاد البلغار، وبلاد الجركس، وبلاد الروس، وبلاد السرب، وبلاد الأولق، وبلاد الفرنج، من الخليج القسطنطيني إلى البحر المحيط الغربي. فإنها بلاد كثيرة وممالك عظيمة متسعة إلى الغاية، ومع ذلك فإن أسماء مدنها وأحوالها مجهولة عندنا، لم يذكر منها إلا القليل النادر، وكذلك بلاد السودان في جهة الجنوب، فإنها أيضا بلاد كثيرة لجنوس مختلفة من الحبش والزنج والنوبة والتكرور والزيلع وغيرهم، فإنه لم يقع إلينا من أخبار بلادهم إلا القليل النادر، وغالب كتب المسالك والممالك إنما حققوا بلاد الإسلام، ومع ذلك فلم يحصوها عن آخرها، ولكن كما قيل: ما لم يعلم كله لا يترك كله، فإن العلم بالبعض خير من الجهل بالكل، وقد جمعنا في هذا المختصر ما تفرق في كتب عديدة على ما سنقف عليه إن شاء الله عند ذكرها.
