Târîh
مقدمة العلامة ابن خلدون الطبعة الرابعة كتاب قد حوى درر المعاني * وبحر فوائد للمقتنيه فلا تعجب لهاتيك المباني * فان البحر كل الدر فيه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان
الجزء الأول من كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر - وهو تاريخ وحيد عصره العلامة عبد الرحمن ابن خلدون المغربي
بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الغني بلطفه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي وفقه الله الحمد لله الذي له العزة والجبروت * وبيده الملك والملكوت * وله الأسماء الحسنى والنعوت * العالم فلا يغرب عنه ما تظهره النجوى أو يخفيه السكوت * القادر فلا يعجزه شئ في السماوات والأرض ولا يفوت * أنشأنا من الأرض نسما * واستعمرنا فيها أجيالا وأمما ويسر لنا منها أرزاقا وقسما * تكنفنا الأرحام والبيوت * ويكفلنا الرزق والقوت * وتبلينا الأيام والوقوت * وتعتورنا الآجال التي خط علينا كتابها الموقوت وله البقاء والثبوت * وهو الحي الذي لا يموت * والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي العربي المكتوب في التوراة والإنجيل المنعوت * الذي تمحض لفصاله الكون قبل أن تتعاقب الآحاد والسبوت * ويتباين زحل واليهموت (1) * وعلى آله وأصحابه الذين لهم في صحبته وأتباعه الأثر البعيد والصيت * والشمل الجميع في مظاهرته ولعدوهم الشمل الشتيت * صلى الله عليه وعليهم ما اتصل بالاسلام جده المبخوت * وانقطع بالكفر حبله المبتوت * وسلم كثيرا أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال * وتسمو إلى معرفته السوقة والاغفال * وتتنافس فيه الملوك والأقيال * وتتساوى في فهمه العلماء والجهال * إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار
عن الأيام والدول * والسوابق من القرون الأول * تنمو فيها الأقوال * وتضرب فيها الأمثال * وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال * وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال * واتسع للدول فيها النطاق والمجال * وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال * وحان منهم الزوال * وفي باطنه نظر وتحقيق * وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق * وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق * فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق * وجدير بأن يعد في علومها وخليق * وإن فحول المؤرخين في الاسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها * وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها * وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها * وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها * واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها * وأدوها إلينا كما سمعوها * ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها * ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها * فالتحقيق قليل * وطرف التنقيح في الغالب كليل * والغلط والوهم نسيب للاخبار وخليل * والتقليد عريق في الآدميين وسليل * والتطفل على الفنون عريض طويل * ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل * والحق لا يقاوم سلطانه * والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه * والناقل إنما هو يملي وينقل * والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل * والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل هذا وقد دون الناس في الاخبار وأكثروا * وجمعوا تواريخ الأمم والدول في العالم وسطروا * والذين ذهبوا بفضل الشهرة والإمامة المعتبرة * واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخرة * هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل * ولا حركات العوامل * مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدي وغيرهم من المشاهير * المتميزين عن الجماهير * وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الاثبات * ومشهور بين الحفظة الثقات * إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم * واقتفاء سننهم في التصنيف واتباع آثارهم * والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم * فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الاخبار * وتحمل عليها الروايات
