Tarihu Hannibal
تعريب
نعوم مكرزل
إلى القارئلا أكون مهديا إلا لأكون هاديا إلى ما أعتقد أن فيه شيئا من الخدمة النصوح العائدة، ولو بالتافه من الفائدة، على أبناء وطني، وفي نشري تاريخ هنيبال على علاته دليل على الغاية التي أرمي إليها.
أصل التاريخ هو لجاكوب أبوت، كتبه بالروح الغربية «القائمة» على الأثرة والتفوق، وقد بذلت بعض المال والعناية لترجمته، ثم أعدت النظر فيه غير متعرض للروايات والآراء التاريخية التي أعلم كما يعلم العالمون أن في الكثير منها شططا وتزييفا، فعلى علماء التاريخ وغواته من أبناء الوطن أن ينشطوا لسد الخلل وإصلاح الخطل، ويجمعوا تواريخ بلادهم وتراجم أبطالهم وغزاتهم ونوابغهم ودهاتهم، كما توجب الحقيقة لا كما يكيفها المكيفون.
أنا مستعيض بالتاريخ عن الأقاصيص والروايات في الهدى، ثم أجمع ما أنشره في كتب مستقلة، أرجو أن يستعين بها قارئوها على حفظ وصون الدروس التي يلقيها الأقدمون عليهم من أصدقاء وأضداد، وليس كالتاريخ أستاذا مهذبا ومرشدا مدربا.
إلى أحفاد أكبر قائد فينيقي، بل أكبر قائد في التاريخ عند المجردين، أهدي هذا السفر الذي أرجو أن يقوم من أبناء أمتي من يقوم منآده، ويزيل فساده، عادلا عن الشكوى وهو قاعد، وناظرا إلى لهب الأفكار وهو جامد.
نعوم مكرزل
الفصل الأول
الحرب القرطجنية الأولىكان هنيبال قائدا قرطجنيا أحرز شهرته الطائرة كأعظم الكماة بتهالكه في محاربة الرومانيين، ومن المعلوم أن رومية وقرطجنة نشأتا معا على جانبين متقابلين من بحر الروم، وظلت الحروب الطاحنة مستعرة الضرام بينهما مدة مائة سنة. وعدد الحروب التي نشبت بينهما ثلاث، خرجت رومية من ساحاتها ظافرة منتصرة في آخر الأمر، ودكت قرطجنة إلى أساساتها.
ولم يكن ثم من باعث حقيقي على اقتتال تينك الأمتين، فالنزاع بينهما قد تأتى باختيارهما عن المزاحمة والشحناء، فاختلافهما الأصلي نشأ عن تباين في اللغة والأصل، وعن استيطانهما جهتين متقابلتين من البحر الواحد، وبهذا كرهت إحداهما الأخرى وعملت على سحقها وإبادتها.
والذين قرءوا تاريخ الإسكندر الكبير يذكرون دون ريب الصعوبة الكلية التي عاناها في محاصرة مدينة صور والتغلب عليها، وهي مدينة بحرية يبعد موقعها عن الشاطئ نحو الميلين، قائمة على الجانب الشرقي من بحر الروم، وابتنى قرطجنة جماعة من ماهدي المستعمرين نزحوا عن صور، وبنوا المدينة الجديدة فأصبحت قوة بحرية وتجارية عظيمة كأمها، وابتنى القرطجنيون المراكب العديدة التي مكنتهم من اكتشاف مجاهل بحر الروم، وزاروا على متونها كل الأمم الساكنة على شواطئه، واشتروا منهم كل الحاجيات المختلفة التي كانوا يتجرون بها، ويحملونها إلى الشعوب الأخرى ويبيعونها منها بأرباح وافرة، وبهذا أحرزوا غنى وقوة في مدى قصير.
