Tarihu Ulumi'l-Lugati'l-Arabiyye
تأليف
طه الراوي
الأدبكان العرب قبل الإسلام يطلقون لفظ «الأدب» على معان، منها: الدعوة إلى الشيء، يقال: أدب الرجل يأدب أدبا: إذا صنع صنيعا ودعا الناس إليه، ومنها العجب، وكذلك يطلقونه على الفضائل النفسية، والمكارم الخلقية، وعليه الحديث: «أدبني ربي فأحسن تأديبي.»
ثم تطور معنى هذه الكلمة بعد الإسلام، فأطلقت على مجموعة من علوم العرب، منها: الشعر، والأخبار، والأنساب، والنحو. ويطلق على العالم بهذه العلوم اسم «الأديب»، وإذا اشتغل بتعليمها فهو «المؤدب».
قال أبو منصور الجواليقي المتوفى سنة 539ه: «وذلك كلام مولد؛ لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام. واشتقاقه من شيئين؛ يجوز أن يكون من الأدب وهو العجب، ومن الأدب مصدر قولك: أدب فلان القوم يأدبهم أدبا إذا دعاهم، قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى
لا ترى الآدب فينا ينتقر
فإذا كان من الأدب الذي هو العجب، فكأنه الشيء الذي يعجب منه لحسنه، ولأن صاحبه الرجل الذي يعجب منه لفضله. وإذا كان من الأدب الذي هو الدعاء، فكأنه الشيء الذي يدعو الناس إلى المحامد والفضل، وينهاهم عن المقابح والجهل.» ا.ه.
وهذا التطور في معنى كلمة الأدب بدأ في أواسط القرن الأول الهجري، وبذلك التقى في معنى هذه الكلمة أدب النفس وأدب الدرس الذي يستأنس أحدهما بالآخر ويستمد قوته منه، فإن أدب الدرس من أهم روافد أدب النفس، كما أن أدب النفس أكبر حافز إلى التوسع في أدب الدرس.
وبهذا التطور في معنى الأدب أصبح ذا كيان خاص، وصار محتاجا إلى تعريف يجمع بين معناه النفسي ومعناه الدرسي، وعلى هذا قال أبو زيد الأنصاري المتوفى سنة 215ه: «الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل.» وهذا كما تراه شامل لأدبي النفس والدرس؛ لأن الرياضة المحمودة كما تتصل بالنفس تتصل بالدرس. ثم لما تبسطت الأمة في الحضارة وتوسعت في المعارف، ولا سيما اللسانية منها، أضيفت إلى معنى هذه الكلمة أمور لم تكن من معناها سابق العهد، من ذلك إطلاقها على أصول المنادمة وفنونها وعلى فنون النغم وأصول الأغاني وما يتصل بها من الآلات، ولما وضع عبد الله بن طاهر المتوفى سنة 289ه كتابه في أصول المنادمة وفنونها أسماه «الآداب الرفيعة»، ذاهبا إلى أن هذا الضرب من الأدب يعتبر في القمة من سائر ضروبه، وكذلك فعل الشاعر المشهور «كشاجم» في تسمية كتابه «أدب النديم»، وقد جمع فيه ضروبا شتى من هذه الفنون.
ثم كلما ابتدع فن من الفنون اللسانية انضوى إلى لواء هذه الكلمة، وبذلك توسع معناها بتعاقب الزمن توسعا ظاهرا، وبعد كل هذا التوسع أصبح حد الأدب كما قال ابن خلدون: «هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم، والأخذ من كل علم بطرف.» ولهذا لا يجوز أن يتحلى بلقب «الأديب» إلا من أتقن الفنون اللسانية، وألم من العلوم الشرعية والكونية بما لا يجمل بالناثر والناظم جهله. (1) علوم الأدب
