Tarihu'd-duveli'l-Farisiyye fi'l-Irak
تأليف
علي ظريف الأعظمي
المقدمةلما كان المؤرخون - على اختلاف مللهم ونحلهم - لم يفردوا كتابا خاصا، يتضمن البحث عن الدول الفارسية التي حكمت العراق قرونا عديدة في أزمان مختلفة - قبل الميلاد وبعده - وكان تاريخ تلك الدول من أهم ما يحتاجه النشوء الجديد؛ بذلت قصارى جهدي للوصول إلى مجريات تلكم الشئون والوقوف على الحقائق الراهنة، وبعد البحث والتنقيب وتصفح الكتب التاريخية القديمة منها والحديثة، تيسر لي الاطلاع على ما كنت أبتغيه، فاقتطفت المهم من شذرات تلك الدول في قطرنا، وجئت بخلاصة ما وقفت عليه من المصادر الوثيقة التي عثرت عليها خدمة للتاريخ، راجيا من الأساتذة أن يرشدوني إلى الصواب إن وجدوا في هذا المختصر خطأ أو سهوا.
الدولة العيلاميةأو الدولة الفارسية الأولى
في العصور الواغلة في القدم كانت أمة من الفرس تعرف ب «الأمة العيلامية» أو «العيلاميين» تسكن في الإقليم المعروف الآن ب «خوزستان» المسمى قديما ب «بلاد عيلام»،
وكان لها يوم ذاك منزلة رفيعة بين أمم الشرق، وقد سماهم العرب ب «بني غليم»، وكانت مملكتهم محاطة ببلاد الكلدان وبلاد مادي «ميدية» وبلاد فارس، وتحتوي على عدة مدن أشهرها مدينة «شوشن» أو شوشان القديمة
عاصمة تلك المملكة، إلا أنها كانت أحيانا تتوسع، وأخرى تتقلص، وآونة تخضع لسيادة جارتها مملكة «أور» التي في جنوبي العراق.
ولمجاورتها لجنوب العراق كانت لها عدة روابط مع هذا القطر، ولكنها لم تكن لتطمع في جارتها القوية، حتى إذا ما ضعفت مملكة «أور» الشهيرة في التاريخ، وآنس العيلاميون في أنفسهم قوة، طمعوا بأرضها الخصبة الكثيرة الخيرات، فحملوا عليها في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، وبعد حروب جرت بين الأمتين استولى العيلاميون على مملكة «أور»، ودخلوا عاصمتها «أور»، وأسروا ملكها أبي سين «إيبي سبين» بن جمبل سبين آخر ملوك السلالة الثالثة
لملوك «أور»، وساقوه أسيرا إلى عاصمتهم «شوشن»، واستولوا على جميع مدن تلك المملكة وقرضوها بعد أن كانت مستقلة في جنوبي العراق أو صقع شمر «سومير»، ولها سطوة كبيرة وسيادة مبسوطة، وكان لعاصمتها مدينة «أور» حينذاك منزلة رفيعة عند العراقيين؛ لعظم مركزها الديني، بل إنها كانت معهدا للدين ومهدا للتجارة ومركزا للصنايع والفنون، وفيها هيكل «أنون ماخ» المرصود للإله القمر ورفيقته، الذي خرب في هذه الحادثة.
استولى العيلاميون على جنوبي العراق أو على مملكة «أور الكلدانيين» بعد حروب دامت بينهم وبين الكلدانيين في الوقت الذي كان فيه العراق منقسما إلى قسمين: القسم الجنوبي المسمى ب «مملكة أور» أو ب «بلاد الكلدان» أو «كلدو»، والقسم الشمالي المعروف ب «مملكة بابل» أو ب «بلاد بابل»، وكان كل قسم مستقل بنفسه، غير أن الجنوبي كان قد فاق الشمالي بالمدنية والعمران، واشتهر بالتجارة والزراعة والفنون.
