Târîhu'l-Fikri'l-Arabî
تأليف
إسماعيل مظهر
الإهداءإلى أستاذي وصديقي الدكتور يعقوب صروف
إحياء لذكرى الصداقة واعترافا بما له عندي من الدين الأدبي الذي إن عجزت عن أن أؤديه إليه حيا، فلا أقل من أن أحيي اليوم ذكراه وهو في عالم الأرواح.
تاريخ الفكر العربي في نشوئه وتطوره بالترجمة والنقل عن الحضارة اليونانيةللعقل الإنساني منازع قد تسوق إلى نواح من التأمل بعيدة كل البعد عن المنزع الحقيقي الذي كان سببا في تحريك الفكر نحو النظر في المعقولات، فإذا نظرت في الخلافات التي وقعت بين النصارى لدى أول عهدهم بالوجود، لما استطعت أن تدرك بادئ ذي بدء، إلى أي حد سوف يذهب خلافهم، وتنتهي مناظراتهم.
كان الخلاف على طبيعة المسيح مبدأ مناقشات تناولتها الشيع الكنسية في القرون الأولى، وكان لاختلاف المذاهب في تلك المسألة أكبر الأثر في النظر في المعقولات وفي التأمل الفلسفي.
اشتهرت أنطاكية بأنها من أولى مدن المسيحية التي قام زعماء الدين فيها بأول حركة من تلك الحركات الفكرية، التي كانت ذات أثر كبير في شيوع الفلسفة، وفروع الفلسفة اليونانية خاصة، ذلك بعد مناظرات دينية طويلة لا محل لذكرها، وقام بالحركة في أنطاكية معلمان يقال لأحدهما: «دبودوروس» والآخر «تيودوروس المصيصي»، وكانا شديدي الاعتقاد في كمال الناسوتية في المسيح - عليه السلام.
وكان أكبر المؤيدين لهذا المذهب راهب من رهبان أنطاكية يقال له: «نسطوريوس»، انتقل إلى القسطنطينية أسقفا لها سنة 428م، وتبع تأييد «نسطوريوس» لهذه الفكرة مناقشات حادة، حتى انتهى الأمر بعقد مجلس ديني في مدينة «إفسوس» سنة 431م، فانتصر حزب الإسكندرية، وهو الحزب القائل بما يضاد المذهب النسطوري، واعتبر نسطوريوس وأتباعه هراطقة.
كان النساطرة على اعتقاد كامل في أن نظراءهم بعيدون عن حكم العقل والضرورات الطبيعية؛ لذلك سعوا بعد مضي عامين على حكم مجلس «إفسوس» إلى جمع شملهم، وعلى الرغم من مطاردتهم والاستبداد بهم، نزلوا مصر واتخذوها مقرا لبث تعاليمهم.
قبيل ذلك العهد أغلقت مدرسة «نصيبين»
Nisibis
أو بالأحرى انتقلت إلى «الرها»
Edessa . وفي سنة 363م سلمت مدينة «نصيبين» إلى الفرس تنفيذا للمعاهدة التي عقدت إثر الحرب التي أشعل نارها الإمبراطور «يوليانوس»، وكان أعضاء مدرستها منتشرين في الممالك المسيحية إذ ذاك، فعادوا إلى التجمع في «الرها»، وفتحوا مدرسة سنة 373م، وبذلك أصبحت تلك المدينة، ولو أنها في أرض تابعة للإمبراطورية البيزنطية مركزا للكنيسة التي ينطق زعماؤها باللسان السرياني.
