Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Te'essuru's-Sekafeti'l-Arabiyye bi's-Sekafeti'l-Yunaniyye

تأثر الثقافة العربية بالثقافة اليونانية
Ismail Mazhar
۩
تأثر الثقافة العربية بالثقافة اليونانية
إسماعيل مظهر
Tarih & Biyografi
تأثر الثقافة العربية بالثقافة اليونانية

تأليف

إسماعيل مظهر

تمهيد

إن بين الدين والثقافة تشابها من حيث الطبيعة، ومن حيث الأثر، فمن الأديان ما هو عالمي يخرج من البيئة التي نشأ فيها وينتشر في بيئات أخر، فتعتنقه شعوب مختلفة وتؤمن به أمم متفرقة، ومنها ما هو موضعي ينشأ ويشب ويكتمل، ثم يهرم ويموت في نفس البيئة وفي عين المكان، فلا يخلف من ورائه آثارا عامة بين فئات مختلفة من الناس، ومثل الثقافة من هذه الناحية كمثل الدين؛ منها ما هو عالمي، ومنها ما هو موضعي، والثقافة اليونانية أولى الثقافات العالمية في تاريخ الإنسان، نشأت وربت في بقعة فريدة من بقاع الأرض، سيالة العيون، متدفقة الأنهر، مخضوضرة الجبال والسهول، حسنة المناخ، بعد أن نشأ وفني من قبلها حضارات موضعية عديدة، كحضارة الكلدان وأشوريا ومصر، وحضارة جزر بحر الروم، فكانت الحضارة اليونانية عصارة تلك الحضارات ولبها، انتحلها شعب فيه استعداد للابتكار ونزعة إلى البحث، فرببها وصبغها بالصبغة التي وصلت إلينا مصبوغة بها.

وفي الثقافة العربية نفس هذه الصفات، ظهرت فيها كاملة وتجلت شاملة وافية، ولا ريبة في أن صفة «العالمية» التي عرفت في الثقافة العربية ترجع إلى أصلين جامعين؛ الأول: أنها ثقافة إسلامية استمدت من روح الدين الإسلامي ما فيه من صفات أنه دين «عالمي»، والثاني: أنها ثقافة استمدت عناصرها الأجنبية من الثقافة اليونانية وهي ثقافة عالمية أيضا، «فالعالمية» في الثقافة العربية تستمد أصالتها من الإسلام، وتستمد فروعها من أعظم حضارة ظهرت في العالم القديم، ومن هذا المزيج الفذ تكونت ثاني الحضارات العالمية في تاريخ البشرية، وعندي أن أعظم ميراث انحدر إلى الثقافة العربية من الثقافة اليونانية هو هذا التراث العظيم الذي جعل مما خلف العرب لأعقابهم صفات القوة والخلود، يزداد بها ما في ثقافتهم الخاصة من قدرة على البقاء والاستمرار.

إن النزعة «العالمية» التي أسلمها العرب إلى أوروبا في القرون الوسطى، كانت بدورها أعظم تراث حمله العرب على أعناقهم ليؤدوه إلى أهل الحضارة الحديثة، ولو لم يكن للعرب من فضل غير هذا الفضل لكفى به دليلا على ضخامة الأساس الذي وضعوا قواعده للحضارة وللمدنية.

وإني لعلى يقين من أن فهم الثقافة العربية فهما وثيقا لا يتأتى إلا بالاستعماق في درس ناحيتين منفصلتين من نواحي المعرفة الإنسانية؛ الناحية الأولى: ناحية الدين الإسلامي وتفهم روحه واستيعاب طبيعته استيعابا إنسانيا لا استيعابا غيبيا، والناحية الثانية: ناحية الثقافة اليونانية وأثرها في تلوين الفكر البشري بذلك اللون الهليني الصرف البعيد عن تزوير العقائد القديمة.