Tefsîru Cevâmiu'l-câmi
مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي أكرمنا بكتابه الكريم، ومن علينا بالسبع المثاني (1) والقرآن العظيم، وما ضمنه من الآيات والذكر الحكيم، فهو النور الساطع برهانه، والفرقان الصادع (2) تبيانه، والمعجز الباقي على مر الدهور، والحجة الثابتة سجيس (3) العصور، يهدي إلى صالح القول والعمل، ويثبت من الميل والزلل، لا تمجه (4) الأسماع، ولا تمله الطباع، معدن كل علم ومنبع كل حكم، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، نزل به الروح الأمين على خاتم النبيين ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين.
ثم الصلاة والسلام على الرسول الأمين والنبي المكين، محمد خير البشر، وسيد البشر (5)، وأكرم النذر، المنتجب من أشرف المناصب، المنتخب من أعلى
المناسب، الذي سما بسمو انتسابه اسم عدنان (1) ومضر (2)، وبعلو قدره علا كعب كعب وكبر (3)، وبنضرة جاهه وجه النضر نضر (4)، وبرفعة أمره استمر أمر مرة وأمر، فأسرته خير الأسر، وشجرته أكرم الشجر، وعترته أفضل العتر، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
أما بعد، فإني لما فرغت من كتابي الكبير في التفسير الموسوم ب " مجمع البيان لعلوم القرآن "، ثم عثرت من بعد بالكتاب الكشاف لحقائق التنزيل لجار الله (5)
العلامة، واستخلصت (1) من بدائع معانيه وروائع ألفاظه ومبانيه مالا يلفى مثله في كتاب مجتمع الأطراف، ورأيت أن أسمه وأسميه بالكاف الشاف، فخرج الكتابان إلى الوجود، وقد ملكا أزمة القلوب، إذ أحرزا من فنون العلم غاية المطلوب، وجادت جدواهما، وتراءت ناراهما، وبعد في استجماع جواهر الألفاظ وزواهر المعاني مداهما، فسارا (2) في الأمصار مسير الأمثال، وسريا في الأقطار مسرى الخيال، اقترح علي من حل مني محل السواد من البصر والسويداء من الفؤاد، ولدي أبو نصر الحسن - أحسن الله نصره وأرشد أمري وأمره - أن أجرد من الكتابين كتابا ثالثا يكون مجمع بينهما ومحجر (3) عينهما، يأخذ بأطرافهما ويتصف بأوصافهما، ويزيد بأبكار الطرائف وبواكير (4) اللطائف عليهما، فيتحقق ما قيل: إن الثالث خير، فإن الكتب الكبار قد يشق على الشادي (5) حملها ويثقل على الناقل نقلها، فأكثر أبناء الزمان تقصر هممهم عن احتمال أعباء (6) العلوم الثقيلة والإجراء في حلباته (7) المديدة الطويلة، فاستعفيته من ذلك مرة بعد أخرى لما كنت أجده في نفسي من ضعف المنة (8) ووهن القوة، فلقد ذرفت (9) على السبعين سنيا، وبلغت من الكبر عتيا، وصرت كالحنية حنيا (10)، واشتعل الرأس
شيبا، وقاربت شمس العمر مغيبا، فأبى إلا المراجعة فيه، والعود والاستشفاع بمن لم أستجز (1) له الرد فلم أجد بدا من صرف وجه الهمة إليه والإقبال بكل العزيمة عليه، وهممت أن أضع يدي فيه، ثم استخرت الله تعالى وتقدس في الابتداء منه بمجموع مجمع جامع للكلم الجوامع، أسميه كتاب " جوامع الجامع "، ولا شك أنه اسم وفق للمسمى ولفظ طبق للمعنى، وأرجو أن يكون بتوفيق الله وعونه وفيض فضله ومنه كتابا وسيطا خفيف الحجم، كثير الغنم، لا يصعب حمله، ويسهل حفظه، ويكثر معناه وإن قل لفظه، يروع (2) موضوعه، ويروق مسموعه، ينظم وسائط القلائد، ويحوي بسائط الفوائد، ويستضئ العلماء بغرره ودرره، ويفتقر الفضلاء إلى فقره، فيكتب (3) على وجه الدهر، ويعلق في كعبة المجد والفخر.
