Tekmiletü'l-ahkâm ve't-tasfiye min bevâtıni'l-âsâm
اعلم أن الفقه الاصطلاحي: هو العلم بالأحكام الشرعية، وإنما تكلم المصنفون في الفروع منه على أحكام أفعال الجوارح دون أفعال القلوب، وقد جعل الله تعالى محرماتها شطرا، حيث قال تعالى: ?وذروا ظاهر الإثم وباطنه? الأنعام:120 والباطنة: هي مآثم القلوب في أصح التفسيرات، فوجب أن نجعل لها في أبواب علم الحلال والحرام بابا يتضمن تفصيلها بحقائقها وتفريعاتها، وتمييز حلالها من حرامها؛ ليمكن التحرز من الإثم الباطن كالظاهر، وهذا الباب أهم من غيره، إذ لا يعرى مكلف بالشرعيات عن التكليف به.
فصل: جملة ما ورد الشرع بتحريمه من أفعال القلوبوجملة ما ورد الشرع بتحريمه منها سبعة عشر نوعا وهي: الكبر وما يتفرع منه، والعجب كذلك، والرياء كذلك، والمباهاة كذلك، والمكاثرة كذلك، والحسد كذلك، والغل كذلك، وظن السوء كذلك، والمعاداة كذلك، والموالاة كذلك والحمية كذلك، والمداهنة كذلك، وحب الدنيا كذلك، والجبن والبخل كذلك، وما يتصل بهما من السرف والتقتير، والزهو والفرح كذلك، ويلحق بذلك بيان الخطر المخوف بعد حصول العلم والعمل والاخلاص، فلنفرد لكل من ذلك فصلا.
فصل: الكبرالكبر: هو اعتقاد مطلق غير علم أن النفس تستحق من التعظيم فوق ما يستحقه غيرها ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة، ودليل كونه من أفعال القلوب، قوله تعالى: ?إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه? غافر:56.
والتكبر: هو أن ينضم إلى هذا الاعتقاد قولا أو فعلا أو تركا، تنبئ على حصوله كقول إبليس لعنه الله:?أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين? الأعراف:12، فأنبأ عن اعتقاده أنه يستحق من التعظيم فوق ما يستحقه آدم عليه السلام، ومن ثم قال تعالى: ?فما يكون لك أن تتكبر فيها? الأعراف:13، ومن ثم فسرنا التكبر بذلك.
لأن التكبر في اللغة: دعوى الأكبرية في القدر، لا الجسم اتفاقا ولا معنى للأكبرية في القدر إلا ما ذكرناه قطعا، إذ لا يحتمل غيره عند السبر.
وأما الكبرياء: فهو استحقاق أعلى مراتب التعظيم فلا يوصف به إلا الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: (وله الكبرياء في السموات والارض) وقوله تعالى: (والكبرياء ردائي).
فرع: والتكبر قبيح عقلا لصدوره اعتقاد أمر جهل وشرعا للاجماع، والوعيد عليه كقوله تعالى:?فبئس مثوى المتكبرين? غافر:76، ونحوها، ومنه: الاستخفاف بمن لا يعلم فسقه، والترفع عن بعض ما يستحقه الوالد والامام والعالم من التعظيم كما كان ترفع إبليس عن بعض ما يستحقه آدم تكبرا، وما من مرتبة في التعظيم الا ويستحقها هؤلاء، مع صلاحهم الا ما انفرد الله به سبحانه باستحقاقه كالسجود، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد)) فنبه على أن ما دون السجود من التعظيمات مستحق للزوج على الزوجة، والعالم على المتعلم، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم حاكيا عن الله تعالى: ((من أراد أن يكرمني فليكرم أحبائي)) أراد العلماء، كما صرح به في آخر الخبر والإمام أعظم حقا لأنه أمر بطاعته كما أمر بطاعة الرسول حيث قال تعالى:?وأولي الأمر منكم? النساء:59، ولم يكن مثل ذلك في حق الوالد والعالم، وقال الله تعالى:?تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا? النور:63، والإمام قائم مقامه، نعم فالترفع عن بعض ما يستحقه هؤلاء من التعظيم تكبر كتكبر إبليس عما أمر به، فأما لو تركه تسامحا لا ترفعا، مع عزمه على فعله لو اتهم بالأنفة عنه فليس تكبرا، اذ لا يتضيق عليه إلا عند التهمة، ومنه الترفع عن طلب العلم ممن هو أصغر منه سنا أو أقل جاها، والأنفة عن الجواب بلا أدري، حيث لا يعلم الجواب الموافق للحق، وعليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ترك العلم)) الخبر ونحوه، ولتضمنه الأنفة عن تعظيم المعلم حينئذ، فكان تكبرا كتكبر إبليس، ومنه الزهو، وهو التبختر في المشي إذ لا يفعله عادة إلا المتكبرون، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وجر الذيل بطرا، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من جر إزاره بطرا)) الخبر، ويجوز الزهو للمرأة، إذ تحسن به عين بعلها، ومن ثم قال علي عليه السلام: ((خير خصال النساء شر خصال الرجال الزهو والجبن والبخل)) وقد يحسن الزهو من الرجل، وذلك عند لقاء العدو، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم حين تبتختر أبو دجانة عند بروزه للقتال: ((إن هذه لمشية يبغضها الله تعالى إلا في مثل هذا الموطن)) ومنه تكلف التصدر في المجالس واختيارها ترفعا وطلب مرتبة في التعظيم لا يستحقها.
