Ve bakiye sey'
تأليف
ثروت أباظة
وبقي شيءأخذ طريقه في الحياة وهو يعلم أن لا سبيل له غير اجتهاده. كيف استقر هذا المعنى في نفسه؟ إنه لا يدري. كان الشباب يتفجر في داخله وكان إخوانه يمزقون الحياة بشبابهم، ولم تكن نفسه عازفة عما يصنعون وإنما كان يتوق إلى ملاعبهم وتهفو إليها خواطره ورغباته، وكان يريد أن يكون خنجرا في صدر الليالي يعتصر رحيقها أحمر في لون الخمرة الحمراء أو في لون دماء العذراء، وكانت نفسه تحن إلى الليالي التي لا تعرف بداية أو نهاية؛ ولكنه كان يقمع كل ما تمور به رغباته وينصرف إلى الدرس والمذاكرة. شيء واحد ضعف أمامه ولم يستطع أن يرد نفسه عنه هو المسرح.
وقد جعل ذهابه إلى المسرح في كل يوم خميس هو جائزته عما بذله من جهد في أيام الأسبوع الستة الأخرى. وقد كان منتظما مع المسرح كما كان منتظما مع المذاكرة.
أخلف موعده مع المسرح في مرات قلائل ذهب فيها مع رفاقه، وتمتع بما يتمتعون به وبهرته حياتهم، ولكنه مع ذلك استطاع أن يمنع انبهاره أن يميل إلى طريق الرفاق.
فالحياة التي كان يشاركهم فيها يوم الخميس كانوا هم يعيشون فيها كل أيام الحياة، وربما استثنى بعض منهم شهرا أو شهرين قبيل الامتحان، ولكن الحياة الطبيعية كانت هذه المتعة التي يعيشون بها ولها، والتي خاف بهجت أن يشاركهم فيها بأيام الخميس فتصبح كل أيامه خميسا.
ليس يدري من أين واتته هذه الحكمة التي لا تتفق مع طبيعة الشباب، والتي تختلف بالذات مع طبيعته هو؛ فقد تنسجم مع فتى غير راغب في العربدة، أما هو فيعبد هذه العربدة، ومع ذلك استطاع أن يكون هذا الفتى المثابر في المذاكرة والحريص على النجاح.
ولا يدري أيضا من أين جاءه حبه للتمثيل؛ هذا الحب الذي جعله يواظب على حضور المسرح كل خميس في أيام المذاكرة وكل يوم في أيام الإجازة.
وقد حاول أن يحلل هذا الشغف بالمسرح، فعجز وأسلم نفسه إليه في نشوة وبغير تحفظ.
ربما كان حرصه على المذاكرة وليد ما كانت أمه تنبهه إليه؛ فقد مات أبوه وهو بعد في المراحل الأولى من الدراسة. وقد كان أبوه غنيا واسع الغنى، ولكنه كان يريد هذا الغنى أن يتسع ويزداد ولا تقف به نهاية، فكان يدخل في مشروعات مالية لا آخر لها. ونجحت بعض هذه المشروعات فكان جنون المال عنده يزداد. وهكذا أصبح المال عند أبيه غاية لا وسيلة؛ فكان عنده ما يستطيع أن يحيا به في خفض من العيش وفي بحبوحة ورغد. وكان عنده ما لو تركه لولده لأصبح من الأغنياء الذين تذكر أسماؤهم إذا ذكر الغنى. ولكن لم يكن هدف شاكر أن يصيب المال ليأمن الفقر، ولا أن يصيب المال ليهيئ لابنه أمانا من الحياة. لقد أصبح جمع المال في ذاته هو الغاية والهدف. وحين يصبح الأمر كذلك يصبح من الطبيعي أن يندفع شاكر منتهبا أيام عمره في تحقيق هذا الهدف، وهو لا يدري ما يدريه كل الناس أن هذا هدف لا يمكن أن يتحقق؛ فإنه لا نهاية للأرقام.
