Vücuh ve Hikayat
تأليف
مارون عبود
معلمعرفته في عنفوان شبابه، صدر كالصندوق على فخذين كعضادتين، وهامة تثبت للعلماء أنه كان على وجه الأرض عمالقة، في مشيته شيء من الخيلاء يبرئ تسميتها غطرسة، كأن خطواته موقعة إيقاعا أو مقسمة بالبيكار، مشي السحابة لا ريث ولا عجل، ولكن ليس إلى بيت جاراته.
يتزيا بزي العلماء ويتوقر مثلهم، فأبداه غنبازه «الديما» أطول مما هو، هو متأنق في كل شيء حتى الحديث، كان يرطل كل كلمة ويروزها قبل أن تنطلق في الهواء، رأسه ثقيل كما يعبر العوام عن الرصانة، يدور على قدميه بكل مهابة، إن التفت كأنه مصراع بوابة الدير المصفحة، فلا تسمع منه جلنبلق كما أكد لنا أبو عثمان المازني إذ حدثنا عما يقوله مصراعا الباب عند الغلق والإصفاق.
فحصت ضميري فحص مؤمن موسوس قبل الاعتراف لأتذكر ابتسامته فأصفها، فما تذكرت قط أني رأيته باسما، أذكر أن لثته كانت محمرة، ولهذا حكاية رأيتها وأنا ابن خمس حين كان يعلمنا الألفباء؛ قال لأحد رفقائنا النجباء: قاف. فانتصب بوجهه كالمارد، فغضب المعلم لهذه البلادة، هو يريد الحرف المعروف لا الوقوف، فرفع شفته العليا وأرخى السفلى، وربسه بيديه ساخطا.
استيقظت في المعلم الجرثومة اللبنانية فهاجر إلى فلسطين، وعاد بعد سنوات ومعه عروس، كان عرسه أول الأعراس التي شهدتها، جماهير زاحفة بتلك الهدية العسلية، غناء وحداء وزغردة، الملبس والرز والقمح تتناثر من كل بيت تمر به العروس، وأيد لطيفة تلوح بالقماقم راشة عليها وعلى موكبها ماء الزهر والورد. العريس على السطح منتصب فوق الباب الذي تدخل منه العروس، لصقت العروس الخميرة على العتبة، وانهالت عليها ضربا بالرمان ورشقت به الناس، ثم نزلت عن الفرس ودخلت عشها الجديد. كانت أم العريس تصطنع الابتسام وترحب بكنتها العتيدة طائفة حولها بصحن البخور؛ كانت تبخرها وتدرسها درسا فيزيولوجيا. الثياب جميلة والزي طريف، العروس بنت مدرسة ولكن وجهها الديناري يدل على أنها قليلة جدا؛ ذراع كالمسلكة، وساق كالمغزل، ويد كأص الكبا.
كانت أم العريس في تلك الساعة نهبا مقسما، تجيب الجميع على عباراتهم التقليدية بالأجوبة المعدة لها، وتؤهل بحرارة بربة البيت العتيدة، وقد سمعتها فيما بعد تشكر ربها على خروجها من تلك الهمكة ظافرة، يشهد لها الناس بالفصاحة وضبط النفس ...
وصمدت العروس فوق صندوق وإلى جانبها شبينتها وما حولها بنات جنسها، وتصدر العريس المجلس، وقعد الناس حوله وبين يديه في السماطين، وافتتح شاعر العرس سوق عكاظ، فقال «ردة» - هي أول محفوظاتي - مدح فيها العريس، فسرى عن والديه بعض الهم. نقر الدف نقر مدل فتطاولت إليه الأعناق وكان صمت، وما هتف «أوف» حتى صاح الجمهور بصوت واحد كالرعد «أوف»، ولم يقل:
