Yesû' ibnü'l-insân
تأليف
جبران خليل جبران
ترجمة
أنطونيوس بشير
يعقوب بن زبديممالك العالم
في يوم من أيام الربيع وقف يسوع في ساحة المدينة في أورشليم وشرع يخاطب الجموع عن ملكوت السماء.
فاتهم الكتبة والفريسيين بإقامتهم فخاخا وحفرهم حفرا في طريق الراغبين في الملكوت، موبخا وزاجرا.
وكان بين الجموع رجال يدافعون عن الفريسيين والكتبة، ففكروا في أن يقبضوا على يسوع وعلينا جميعا.
ولكنه تجنبهم وأعرض عنهم سائرا إلى البوابة الشمالية للمدينة.
وهناك نظر إلينا وقال: لم تأت ساعتي بعد. إن هنالك كثيرا سأقوله لكم وكثيرا سأفعله بينكم قبل أن أسلم نفسي للعالم.
ثم قال وفي صوته رنة الفرح والضحك: هلم بنا إلى الشمال لنلاقي الربيع. تعالوا معي إلى التلال؛ لأن الشتاء قد ولى وثلوج لبنان تنحدر إلى الأودية لتترنم مع الجداول.
قد قضت الحقول والكروم على النوم، واستيقظت لتحيي الشمس بتينها الأخضر وعنبها الرقيق.
وكان يمشي أمامنا ونحن نتبعه كل ذلك اليوم والذي تلاه.
وفي مساء اليوم الثالث وصلنا إلى قنة جبل حرمون، وهنالك وقف ينظر إلى مدن السهول.
فأشرق وجهه كأنه الذهب المحترق، وبسط ذراعيه، وقال لنا: انظروا إلى الأرض في ثوبها السندسي، وتأملوا كيف طرزت السواقي أهدابه بالفضة اللامعة.
حقا إن الأرض جميلة، وكل ما عليها جميل.
ولكن وراء كل ما تنظرون ملكوت سأحكمه وأسود فيه، فإذا شئتم ورغبتم من قلوبكم فأنتم أيضا ستذهبون إليه وتحكمون معي.
إن وجهي ووجوهكم لن تتقنع فيه، ولن تحمل يدنا سيفا ولا صولجانا، وسيحبنا رعايانا وسيعيشون بسلام من غير أن يعرفوا خوفا منا.
هكذا تكلم يسوع. أما أنا فإنني كنت أعمى عن جميع ممالك الأرض وكل المدن ذات الأسوار والقلاع، ولم تكن في قلبي سوى رغبة واحدة؛ أن أتبع المعلم إلى ملكوته.
وفي تلك اللحظة تقدم يهوذا الإسخريوطي ودنا من يسوع، وقال له: تأمل، إن ممالك العالم واسعة، ومدن داود وسليمان ستغلب الرومانيين. فإذا شئت أن تكون ملك اليهود فإننا نقف سيوفنا ورماحنا لتأييدك وفوزك على الغرباء.
ولما سمع يسوع هذا، التفت إلى يهوذا وأمائر الغضب تملأ محياه، وخاطبه بصوت راعب كرعد السماء قائلا له: تخلف عني يا شيطان! وهل يخطر لك أنني جئت في مواكب السنين لأحكم ثلة من النمل يوما واحدا؟
إن عرشي يفوق بصيرتك. وهل يمكن أن الذي يحوط الأرض بجناحيه ينشد ملجأ في عش مهجور منسي؟
أم هل يتشرف الحي ويترفع بواسطة لابسي الأكفان؟ «المصلوب».
