Zürbetü'l-Yemeni
تأليف
أحمد قاسم العريقي
زربة اليمنيكم اشتقت إليك يا زربة وأنا أكتب حياتك للعالم. قيل: إن في كل إنسان ملاكا وشيطانا، فلا يوجد أحدهما دون الآخر، لكن الشيطان فيك كان تحت وطأة الملاك. كنت قويا، رحيما، مخلصا، تحب الحياة وعملت لأجل الحياتين. كنت تعرف مصير يومك الأخير، ومن هو قاتلك الذي أحببته كنفسك. كانت لك طاقات خلاقة لكنها هدرت كما هدرت عن غيرك، ولم تستطع أن تحقق ما تصبو إليه، فعشت في زمن يتوارث فيه الإنسان الهدر والقهر.
قريتك التي تعانق السماء في جبال الحجرية، ما أجملها والسحب تحتضنها، في الصباح الباكر، وهي مقبلة من جهة الجنوب كأنها مدرجات سماوية! يكاد المرء يفقد بوصلة توجهه وهي تعانق الجبال. بدأت قريتك من بضعة بيوت يسكنها الحب والوئام، إلى أن صارت قرية كبيرة، وانتهى بها المطاف إلى عروش خاوية بعد أن هجرها سكانها إلى المدن. لم يتبق فيها إلا أسرتك وبضع أسر، في ظل عالم مادي طغى على صفاء ونقاء القرية.
ما زلت أذكر حين قلت للكثير من الناس وأنت تضحك كعادتك، إنك ستموت مع من تحبه وتهواه، سألتك حينها: لماذا تريد لنفسك هذا المصير؟ ضحكت كثيرا وطار من فمك رذاذ القات إلى وجهي وقلت: لكي أقوم يوم القيامة على ما أنا عليه، مخزن
بالقات. وفعلا تحققت أمنيتك، وكان يومك الأخير يوم أن سقطت في سوق القات صريعا وأنت تشتري دفعة أخرى من القات. لكنك لم ترحل وحيدا في تلك اللحظة، فقد رحلت معك أنفس كثيرة.
كنت طاحون قات كغيرك من الناس، لكنك كنت الأكثر إدمانا فيهم. سألتك ذات مرة: كيف ستعيش يا زربة لو منع القات من البلاد؟ فضحكت ضحكة هستيرية، وحين توقفت عن الضحك قلت لي: لا تحلم كثيرا، من يحاول قلعه سيقلع هو أولا. لقد تأخرت ثلاثين عاما عن كتابة قصتك، بعد أن شق كل منا طريقه في الحياة. وجدت دنياك وجنتك حول شجرة القات، وأنا هجرت مهنة الطب بعد أن أخل الطبيب بقسمه العظيم، وذهبت لشحذ أقلامي لأكتب عن أوجاع الآخرين، وأبث فيها وجعي أنا أيضا. سأروي حياتك للناس من أول يوم بكيت فيها حقا، يوم أن عرفت بمقتل صديقك ناصر.
الضحىتستوي قامة الشمس ضحى؛ لتحتضن العالم بفرح طفولي غامر. ***
كان زربة هو وعمال آخرون يقومون ببناء منزل في الضاحية الغربية من صنعاء مع المقاول عبد المجيد العريقي، في تلك الساعة المشئومة من يوم الأربعاء الثاني من يونيو (1976م) سمع زربة بمقتل ناصر أخي المقاول، على يد أبيه بجنبيته (خنجر) في القرية. تفاجأ بالخبر وبقي برهة شارد الذهن ودموعه تنهمر دون أن يتوقف عن العمل. أخرج قطعة الشمة المحشوة تحت شفته السفلى، وأخذ يحدث نفسه والحزن يدمي قلبه: «الآن عمل وفي المساء نداوي الحزن بالكأس.» وأخذ يردد بصوت مسموع: الله يرحمك يا ناصر ...
