Sanin
تأليف
ميخائيل أرتزيباشيف
ترجمة
إبراهيم عبد القادر المازني
إهداء الكتابإلى ذكرى من لا تزال ذكراها المحبوبة تجدد في قلبي حسرة الوجد وزفرة الجوى، إلى من كانت مصدر إلهامي، وشريكة مجهوداتي في صفوة ما سطره يراعي، إلى الصديقة الوفية، والزوجة المخلصة التي كنت أجد من راسخ إيمانها بالحق ورفيع تقديرها للصدق أحث مشجع ومهيب، كما كنت أجد في جميل استحسانها، وكريم إعجابها، خير مكافئ ومثيب، أهدي كتابي هذا - شأن كل ما لبثت أكتب منذ سنين عدة - ليمت إليها بمثل ما يمت إلي، وإن كان لم يحظ من نفيس تنقيحها بأقصى الكفاية، ولم يستوف من ثمين تهذيبها أبعد غاية، إذ بقيت طائفة من أجل أجزائه كانت قد أعدت كيما تعيد فيها نظرة متثبت مستمهل، ولكن أبى القدر إلا أن يحرم الكتاب تلك النظرة، ولو أني أوتيت سحر البيان مما أعبر به للناس عن نصف ما ضمنت حفيرتها من رائع الخواطر وشريف العواطف، لأسديت إليهم أضعاف أضعاف ما يستفيدون من كل ما أنا كاتبه، غير مستحث بهمتها الماضية، ولا مؤيد بحكمتها العالية.
المؤلف
الفصل الأوللم يقض فلاديمير سانين أهم أدوار حياته في بيته بين أبويه، وهو الدور الذي يتكون فيه خلق المرء بالاتصال بالعالم والامتزاج بالناس. ولم يكن له من يتعهده أو يهديه، فتفتحت روحه كما ينمو الغراس في أتم حرية وأكمل استقلال.
غاب عن بيته سنين، فلما آب كادت تنكره أمه وأخته «ليدا» ولم تكن معارف وجهه وصوته وشمائله قد تغيرت إلا قليلا. ولكن شيئا غريبا جديدا ناضجا حدث على شخصيته فأجال في محياه ضوءا وأكسبه معنى لم يسبق بهما العهد. وكانت أوبته مساء فدخل الغرفة دخول من زايلها منذ خمس دقائق. وكان يعييك أن تلمح في وجهه الساكن - أو أن تستكنه من ركني فمه الناطق ببعض السخر - شيئا من أمارات الإعياء أو دلائل تحرك النفس وهو واقف في الغرفة مديد القامة وسيم الطلعة عريض الكتفين، فقرت ضجة التحية التي استقبلته بها أمه وأخته من تلقاء نفسها.
وجلس يأكل ويترشف الشاي وأخته قبالته تحدجه بنظرها وكانت مشغوفة به شأن مثيلاتها - أو جلهن - من الفتيات الجامحات الخيال في الولولع بإخوانهن النائين عنهن. وكانت أبدا تتمثله شخصا غريبا بالغا من غرابة الأمر مبلغ من تقرأ عنهم في الكتب، وتتصور حياته في دائرة الأرجاء بشتى الفواجع والمآسي. وتحسب أن حظه من العيش الشجي والوحدة ككل روح ضخمة مستعجمة.
فقال لها سانين وهو يبتسم: «لماذا ترميني بهذه النظرة؟»
وكانت هذه الابتسامة الهادئة والنظرة الفاحصة مألوف ما يطالعك من وجهه، ولكن العجيب أنهما لم يقعا من «ليدا» موقع الارتياح، وكأنما خيل إليها أن فيهما معنى الرضى عن النفس، وأنهما لا ينمان عن شيء من الصراع والألم الباطن، فصرفت وجهها عنه ولم تنبس، ثم جعلت غير عامدة تقلب صفحات كتاب.
