Sayın Başkan
تأليف
ميغل أنخل أستورياس
ترجمة
ماهر البطوطي
الجزء الأول
2 و22 و23 أبريلالفصل الأول
في «رواق الرب»دنغ دانغ دونغ، دنغ دانغ دونغ!
ترددت رنات أجراس الكتدرائية كالأزيز في الأذن، تدعو الناس إلى الصلاة، كالارتداد القلق من الضياء إلى الظلمة ومن الظلمة إلى الضياء. دنغ دانغ دونغ، دنغ دانغ دونغ دانونغ، دانونغ دونغ دانغ دانغ، دنغ دانونغ ... دنغ دونغ دانغ ... دانونغ.
وجر الشحاذون أرجلهم وسط المطاعم الشعبية الصغيرة في السوق، ضائعين في ظلال الكتدرائية المتجمدة، في طريقهم إلى «ميدان السلاح»، على طول شوارع رحبة كأنها البحار، تاركين وراءهم المدينة منعزلة وحيدة.
كان الليل يجمع بينهم كما هي الحال مع نجوم السماء، فيتلاقون ليناموا معا في «رواق الرب» القريب من الكتدرائية، من غير ثمة رابط بينهم سوى الشقاء؛ يتبادلون الشتائم، وينهالون بألوان السباب بعضهم على بعض؛ ينبشون خصومات قديمة، ويتشاجرون بإلقاء الأتربة وبالبصق والعض أحيانا في سورة الغضب. ولم تعرف الوسائد ولا الثقة طريقها أبدا نحو تلك الأسرة من أقارب الدرك الأسفل. كانوا يرقدون بعيدا بعضهم عن بعض، دون أن يبدلوا ملابسهم. وينامون كاللصوص، رأسهم فوق كل رأس مالهم: قطع من اللحم، أحذية بالية، أعقاب شموع، حفنات من الأرز المطبوخ ملفوفة في أوراق صحف قديمة، حبات برتقال عطنة وأصابع موز معطوبة. تراهم على السلم المفضي إلى الرواق، وجوههم نحو الحائط. يحصون نقودهم، يعضون بنواجذهم على العملات المعدنية ليروا ما إذا كانت مزيفة؛ يحادثون أنفسهم، ويتعرضون خزينهم من الطعام ومن السلاح، فهم يتسلحون في تجوالاتهم اليومية بقط من الحجارة وصور من التعاويذ، ويلتهمون في الخفاء قطعا من الخبز المقدد. ولم يعرف عن أحدهم أنه أغاث رفيقا له في محنة واجهها، يعطيهم البخل فيما لديهم من فتات، وهم في ذلك مثل غيرهم من الشحاذين، يفضلون إلقاءه إلى الكلاب على أن يقدموه إلى أحد الرفاق ممن يشاطرهم الشقاء.
وبعد أن يشبعوا نهم بطونهم، ويضعوا نقودهم في منديل يعقدونه سبع مرات ويربطونه على سررهم، يلقون بأجسادهم على الأرض ويستغرقون في أحلام مضطربة حزينة، وكوابيس يرون فيها قطعان الخنازير الجائعة تمر أمام أعينهم، ونسوة عجافا، وكلابا ممزقة، وعجلات مركبات، وجنازة تتكون من أطياف قسس يدلفون إلى الكتدرائية تتقدمهم شظية من القمر مصلوبة على عظمة ساق متجمدة. وأحيانا ما يستيقظون من نومهم فزعين على صرخة مجنون ضل طريقه في «ميدان السلاح»، أو على نشيج عمياء تحلم بأن الذباب يغطيها بينما هي معلقة من مسمار كبير كاللحم في حوانيت الجزارين، أو على خطوات دورية شرطة تجرجر مسجونا سياسيا وتضربه، ووراء الموكب نسوة يمسحن آثار الدماء التي يخلفها الجريح بمناديلهن المغموسة بالعويل، أو على شخير مريض ينخر فيه الجرب، أو زفير شحاذة صماء بكماء حبلى تبكي من الخوف لأنها تشعر بطفل يتحرك داخل أحشائها. ولكن صرخة الأبله كانت أكثر الأشياء إثارة للحزن. إنها صرخة تشق عنان السماء. صرخة طويلة تكشف الأسرار وتخلو من أي نبرة إنسانية.
