Zadig
تأليف
فولتير
ترجمة
طه حسين
تقدمةهذه قصة من قصص فولتير التي عني فيها ببعض المشكلات الفلسفية العليا؛ التي شغلت الناس دائما، وشغلت الفرنسيين بنوع خاص أثناء القرن الثامن عشر، وهي مسألة القضاء والقدر، ومكان الإنسان وإرادته منهما.
وما أريد أن أتعمق قضية القضاء والقدر في نفسها، ولا أن أتعمقها بالقياس إلى الفلاسفة والمثقفين الذين عاصروا فولتير، ولا أن أتعمقها بالقياس إلى فولتير نفسه، فنحن في فصل الصيف، وهو فصل لا يحتمل مثل هذا البحث الذي يكلف الكاتب والقارئ من العناء ما يحتاج إلى حياة رائقة شائقة، يستحب فيها النشاط، ولا يشق فيها الجهد الذهني.
وأنا بعد ذلك لم أفكر في تقديم هذه القصة إلى القراء في هذا الفصل الشديد إلا لأريح الزملاء الذين يشاركون في تحرير هذه المجلة، والقراء الذين يتفضلون بقراءتها، من تكليف أنفسهم عناء الجد في الكتابة، والجد في القراءة أثناء فصل القيظ، والراحة حق للكتاب كما هي حق للقراء، ولكن الراحة ألوان وأشكال: فهناك الراحة التي يستمتع بها الإنسان حين لا يعمل شيئا، وهي راحة بغيضة؛ لأنها عقيمة لا تنفع صاحبها ولا تنفع الناس، وهناك الراحة التي يستمتع بها الإنسان حين يتجه من العمل إلى ما يمتعه ويمتع الناس دون أن يشق على نفسه وعليهم، وهي هذه الراحة الخصبة التي يدل لفظها على معناها دلالة صادقة، والتي تعصم الإنسان من الفراغ الفارغ الجدب الذي يميت القلوب، وهي الراحة التي تلائم المثقفين من الكتاب والقراء جميعا.
فالرجل المثقف لا يبغض شيئا كما يبغض الفراغ الجدب العقيم، والراحة بالقياس إليه هي الانتقال من عمل مجهد مضن إلى عمل يجمع بين التسلية والمتاع ، وإلى هذه الراحة قصدت حين فكرت في أن أعفي محرري هذه المجلة من إنشاء بحوثهم المضنية، وقراءها من العكوف على تفهم هذه البحوث، وفي أن أعفي القراء في الوقت نفسه من الفراغ الذي كانوا قد يضطرون إليه ساعات من نهار أو أياما من شهر لو لم تقدم إليهم المجلة شيئا، وفي أن أترجم لهم آية أدبية رائعة يجدون في قراءتها ما يرضي حاجتهم إلى التفكير، وحاجتهم إلى الراحة، وحاجتهم إلى المتعة الأدبية الرفيعة في وقت واحد، وأنا أحد الألوف أو الملايين من الناس - إن حسن ظننا بالناس - الذين يعجبون بآداب فولتير، وينتهي بهم الإعجاب إلى الفتنة في كثير من الأحيان؛ لأن هذا الأدب لم يكتب له الخلود فحسب، وإنما كتب له الخلود والشباب جميعا، أو قل كتب له الخلود والشباب وملاءمة الحياة الإنسانية على اختلاف العصور والبيئات والأجيال، ولن أقيم الدليل على شيء من ذلك؛ فقد فرغ التاريخ الأدبي من إقامة الدليل عليه، وهذه القصة نفسها ستدل عليه في وضوح وجلاء وإقناع، وما أظن القراء يكلفونني أن أوثرهم بشيء لا أوثر به نفسي، أو أن أحتمل في سبيلهم من الجهد والمشقة ما لا أحب أن أحتمله في سبيل نفسي.
