Fatiha Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Hilâlî — Cevâhiru't-Tefsîr
الخليلي
──────────────────────────────────────────────────
اختلف في البسملة هل هي من خصوصيات هذه الأمة أو كانت للأمم قبلها ! فنقل أبو بكر التونسي إجماع علماء كل ملة على أن الله افتتح كل كتاب بها . وهذه دعوى لم تعضدها حجة ؛ إذ صحة الإِجماع متوقفة على ثبوت نقله . وذهب آخرون إلى أنها من خصوصيات هذه الأمة ، واحتج له الآلوسي بما لا طائل تحته . والعجب من هؤلاء كيف يغفلون عن كتاب سليمان الذي صدر بها ، وقد حكاه الله في سورة النمل . أما كونها من القرآن الكريم فهو مما أجمع عليه لعدم الاختلاف في كونها جزء آية من سورة النمل . وقد أخطأ من نسب إلى أبي حنيفة وغيره القول بأنها ليست من القرآن أصلاً . وممن وقع في هذه العثرة أبو السعود في تفسيره . ومنشأ الخطأ التباس نفي كونها آية من الفاتحة ومن كل سورة صدرت بها بنفي قرآنيتها مطلقا ، على أن كتابتها في صدر السور إلا سورة براءة في المصحف الإِمام بإجماع الصحابة ( رضي الله تعالى عنهم ) وتناقل الأمة لذلك جيلاً بعد جيل حجة قاطعة لا تدع مجالاً للريب في أنها آية من كل السور التي صدرت بها . كيف والصحابة ( رضي الله عنهم ) كانوا أشد ما يكونون حرصا على تجريد القرآن الكريم في كتابته في المصاحف من كل ما ليس منه . ولذلك جردوا مصاحفهم من عناوين السور فليس من المعقول أن يزيدوا في مائة وثلاث عشرة سورة ما ليس منها . وهذه المسألة قد كثر فيها الأخذ والردّ حتى أن جماعة من العلماء أفردوا لها مؤلفات خاصّة . وخلاصة ما فيها أنهم اختلفوا فيها مع إجماعهم أنها جزء آية من سورة النمل : فذهب إلى أنها آية من كل سورة صُدرت بها من علماءِ السلف من أهل مكة ، فقهاؤهم وقراؤهم ومنهم ابن كثير وأهل الكوفة ، ومنهم القارئان المشهوران عاصم والكسائي ، وعُزى إلى علي وابن عباس وابن عمر وأبى هريرة من الصحابة ، وإلى سعيد بن جبير وعطاء والزَّهري وابن مبارك من التابعين ، وهو مذهبنا ومذهب الشافعي في الجديد وعليه أصحابه ، ونُسب إلى الثوري وأحمد في أحد قوليه ، وعليه الإِمامية . وذهب جماعة إلى أنها آية مفردة أنزلت للفصل بين السور وليست من الفاتحة ولا من غيرها ما عدا سورة النمل ، وهو الذي عليه مالك وغيره من علماء المدينة والأوزاعي وجماعة من علماء الشام ويعقوب من قراء البصرة ، وعليه الحنفية . وذهب فريق آخر إلى أنها ليست آية مطلقاً من هذه السور ولم تنزل للفصل بينها ؛ وإنما هي جزء آية من سورة النمل . ونسب هذا القول إلى ابن مسعود ، وهو رأى لبعض الحنفية . وقال حمزة من قراء الكوفة : إنها آية من الفاتحة دون غيرها ، وهو رواية عن أحمد . وتوجد أقوال أخرى هي إلى الشذوذ أقرب ، منها : أنها بعض آية من جميع السور ، ومنها أنها آية من الفاتحة وجزء آية من السور ، ومنها عكس ذلك . وهذا الاختلاف استتبع الاختلاف في قراءتها في الصلاة ، وفى الجهر والإِسرار بها كما سنوضحه إن شاء الله . وحجة القول الأول ما ذكرناه من إجماع الصحابة واستقراء العمل على كتابتها في صدر كل سورة إلا سورة التوبة ، والكتابة حجة معتبرة عند جميع شعوب العالم ، والمدينة في العصر الحديث ، بل الكتابة الرسمية أقوى ما يعتمد عليه عندهم كما جاء ذلك في المنار . وقد كانت كتابتها في المصحف الإمام الذي وزعت نسخه في الأمصار بأمر الخليفة الثالث وعلى مسمع ومرأى من سادات المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، ولم ينكر ذلك أحد منهم وقد كانوا أحذر ما يكونون عن إضافة أي شيء إلى القرآن مما ليس منه ، وتوالت من بعدهم أجيال هذه الأمة ، وكلها مطبقة على كتابتها في صدر السور وعلى تلاوتها مع القرآن ؛ وإن كان منهم من يزعم أنها آية أنزلت بانفراد للفصل بين السور . ولا يؤثر هذا الزعم في الإِجماع العملي . ولو أن الناس أنصفوا لكفتهم هذه الحجة عن غيرها ، ولما أخذوا بالروايات الآحادية الظنية في مقابل هذه الحجة المتواترة القطعية ؛ ولكنهم عولوا على الروايات فسلكوا طرائق قددا ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [ المؤمنون : 53 ] . وأصرح ما اعتمدوا عليه من الروايات حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الربيع وأحمد ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي ، فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى على عبدي ، فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي ، وقال مرة فوض إلى عبدي ، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " . ووجه استدلالهم بالحديث لعدم ذكر البسملة ، قالوا لو كانت من الفاتحة لذكرت في الحديث ، وهو كما ترى استدلال سلبي في مقابلة الإيجابي القطعي المتواتر وهو إجماع الجميع على كتابتها وتلاوتها في الفاتحة وغيرها من سور القرآن . وأين هذه الحجة السلبية الخفية التي تحمل ضروبا من التأويل من تلك الحجة القطعية الظاهرة التي لا يمكن تأويلها بحال ؟ ويكفيك دلالة على ضعف هذه الحجة أن الحديث لم يذكر قسمة الفاتحة بل ذكر قسمة الصلاة ، والصلاة تشتمل على أذكار وأفعال متعددة وعلى قراءة من غير الفاتحة ، وكل هذه الأشياء لم تذكر في القسمة الواردة في الحديث ، وإنما ذكرت الفاتحة وحدها ، بل ذكر منها ما لا يشاركها فيه غيرها من السور ، والبسملة قد اشتركت فيها السور كلها ما عدا براءة . وثم جواب آخر هو أن ما في البسملة من الثناء على الله بوصفه بالرحمة مكرر في الفاتحة ومذكور في القسمة فلا يقوى الاستدلال السلبي الذي اعتمدوا عليه على معارضة القطعي ، هذا لو سُلمت المعارضة بين الحديث وما تدل عليه كتابة الفاتحة في البسملة وغيرها ، وقد علمت أن ليست ثَم معارضة ، وفي هذا يقول السيد محمد رشيد رضا : " إذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة مخالفة راويه لغيره من الثقات ، فمخالفة القطعي من القرآن للتواتر أولى بسلب وصف الصحة عنه ، على أن هذا الحديث هو المعارض بالأحاديث المثبتة لكون البسملة من الفاتحة " . وللإِمام الفخر في تفسيره الكبير " مفاتيح الغيب " اعتراض على استدلالهم بهذا الحديث بما جاء من ذكر البسملة في بعض طرقه ، فقد أخرج الثعلبي بإسناده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد . بسم الله الرحمن الرحيم ، قال الله سبحانه مجدني عبدي ، وإذا قال الحمد لله رب العالمين ، قال الله تبارك وتعالى حمدني عبدي ، وإذا قال الرحمن الرحيم ، قال الله عز وجل : أثنى علي عبدي ، وإذا قال مالك يوم الدين ، قال الله : فوض إلي عبدي ، . . . إلخ " وتابعه الإمام العلامة أبو مسلم في نثاره غير أنا لعدم اطلاعنا على إسناد هذا الحديث عند الثعلبي ، وعدم معرفتنا بصحته لا نستطيع الاعتماد عليه ، ونكتفي بما أسلفنا ذكره في الإجابة على استدلالهم . ومما اعتمدوا عليه حديث أبي هريرة عند أحمد وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له ، وهي تبارك الذي بيده الملك " ووجه الاستدلال أن سورة الملك هي ثلالون آية دون البسملة ، وأجيب بأن البسملة لم تُعد من السورة…