Bakara Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Hilâlî — Cevâhiru't-Tefsîr
الخليلي
──────────────────────────────────────────────────
﴿الم﴾ كلمات تسرد سردا غير مركبة تركيب الجمل ، افتتحت بها هذه السورة ، وشقيقتها ثانية الزهراوين من السور المدنية ، كما افتتحت بها وبنظائرها من قبل سبع وعشرون سورة مكية ، وهي كلمات ذات غرابة طبعا ، إذ لم يكن مألوفا أن تسرد هذا السرد في غير التهجي ، ومع ذلك لم تكن العرب على معرفة بالقراءة والكتابة إلا قليلا منهم فلا غرو إذا لم يكن جمهورهم بحاجة إلى معرفة هذه المصطلحات في تسمية الحروف التي تتكون منها كلماتهم ، لأن السليقة كانت هي الينبوع لبيانهم . مقاصد هذه الكلمات المقطعة : وبدهي أن تختلف الآراء وتتعدد الأقوال في تحديد مقاصد هذه الكلمات ، واستظهار معانيها . ومهما يكن فإن هذه الفواتح وأمثالها هي أسماء ومسمياتها الحروف الهجائية التي تتركب منها المفردات ، وهذا واضح لانطباق حد الاسم عليها ، ولأنها تعتورها علاماته كالتعريف والاسناد ، والجمع والاضافة والجر ، ووصفها بالحرفية لا يعدو أن يكون مجازا ، لأن مدلولاتها - وهي أحرف الهجاء - حروف . وإيضاح ذلك أن الباء - مثلا - اسم ، ومسماه أول حرف من بان وباع ، وأوسط حرف من جبن وقبع ، وآخر حرف من ضرب وجرّب . فإذا أردت النطق بالمسمى وحده وهو الحرف ، قلت ( بَه ) بإدخال هاء السكت ، وقس على ذلك سائرها ، ولا يرد على ذلك ما أخرجه البخاري في تاريخه والترمذي والحاكم وصححاه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول ﴿ألم﴾ حرف ، بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف " وفي رواية عند الترمذي والدارمي : " لا أقول ﴿ألم﴾ حرف وذلك الكتاب حرف ، ولكن الألف حرف ، واللام حرف ، والميم حرف ، والذال حرف ، والكاف حرف " لأن الاصطلاح على تقسيم أنواع الكلام إلى اسم وفعل وحرف اصطلاح طارئ لا يحمل عليه الكلام النبوي الشريف ، وقد كانوا قبل حدوث هذا الاصطلاح يطلقون الحرف على الحروف البسيطة ، التي يتركب منها الكلام ، وهي مسميات هذه الكلمات كما قلنا ، وربما أطلقوه تجوزا على نفس الكلمات ، والرسول صلى الله عليه وسلم أراد بقوله : " لا أقول الم حرف . . " الخ ، دفع ظن التجوز ، والظاهر ما حرره بعض المفسرين أن المراد من الحديث بيان أن الحسنات على تلاوة القرآن تكون بحسب حروفه المكتوبة إذ لو كانت بحسب النطق لعدت ( ألف ) ثلاثة أحرف ، ويؤيده ما في رواية الترمذي والدارمي من زيادة : " والذال حرف والكاف حرف " فإن الذال بمدها تتولد من فتحتها ألف ، فلو اعتبر التلفظ لكان الجدير باعتبارها مع مَدتها حرفين ، ويومئ إلى ذلك التعبير بكتاب الله المفهم للكتابة دون كلام الله أو القرآن . إعراب هذه الكلمات : وإذا عرفت أنها أسماء فاعلم أنها غير مبنية ، لأن الإعراب هو الأصل فيها ، ولكنها سكنت أعجازها هنا لأجل معاملتها معاملة الاسم الموقوف عليه ، لأنها سردت سردا من غير أن تلحقها عوامل تقتضي حالة من حالات الإعراب . معانيها : أما معانيها في طلائع السور فقد اختلف فيها المفسرون سلفا وخلفا ، ونستطيع أن نرد آراءهم إلى موقفين ؛ موقف الذين تهيبوا من الخوض في معانيها حذرا من الانزلاق ، لأنهم عدوه من التقول على الله بغير علم ، وليس الموقف بالهيّن ، فالكلام كلام الله ، ونسبة ما لم يرده تعالى إليه كنسبة ما لم يقله . وموقف الذين تجاسروا على القول فيها بحسب ما توحي به القرائن ، وترشد إليه الدلائل ، ولم نعثر في هذه الفواتح على شيء يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم من تفسيرها ولو من وجه ضعيف ، ولو حصل وثبت لتبخر النزاع ، وزال الشقاق لوجوب التسليم له عليه أفضل الصلاة والسلام ، فهو أعلم بالتنزيل ومقاصده ، والتأويل وطرائقه ، ولكلا الفريقين حجة يستندون إليها . استدلال من لا يرى الخوض في معانيها : أما الأولون فقد احتجوا بالمعقول والمنقول : أما المعقول ؛ فهو أن الله سبحانه تعبدنا بأعمال منها ما نعرف حكمته ، ومنها ما لا نعرف ، فالصلاة والزكاة والصوم كلها عبادات ذات أثر واضح ، ومنفعة بينة في حياة العابد الشخصية والاجتماعية ، فإن الصلاة بما فيها من تذكير بالله وقدرته وسلطانه ومنته وإحسانه ، تنهى عن الفحشاء والمنكر ، والزكاة تسد بها حاجات الفقراء ، وتنتزع من قلوبهم كراهة الأغنياء مع أثرها الطيب في نفس المزكي ، عندما تطهرها من رجس شهوة المال ، فمنفعتها عائدة على الجانبين ، والصوم وسيلة للحد من طغيان الشهوة ، وكسر شوكتها ، ورد جماحها ، مع ما فيه من تذكير الأغنياء بآلام البؤساء الجائعين . وبجانب هذه العبادات ذات المنافع المعقولة ، والحِكَم الواضحة ، ثَمّ عبادات أخرى لا سبيل لنا إلى استظهار حكمتها ، كرمي الجمرات ، والسعي بين الصفا والمروة ، والرَّمَل والاضطباع ، وكما كان لائقا بحكمة الله أن يأمر عباده بالنوع الأول يليق بحكمته كذلك الأمر بالنوع الثاني من غير خلاف ، وقد يكون الامتثال في هذا النوع أدل على الإذعان والطاعة ، لأن فاعله لا يدرك له حكمة ، ولا يلمس منه منفعة عاجلة ، بخلاف النوع الأول ، إذ ليس من المستحيل أن يكون إتيانه لمعرفته بمنفعته ، وإذا جاز ذلك في التعبد العملي ، فلم لا يجوز في التعبد القولي ؟ وهو أن يأمرنا الله أن نعبده تارة بما نفهم معناه من الكلام ، وتارة بما لا نفهم ، ليتجلى الانقياد والتسليم من المأمور للآمر ، هذا بجانب كون غموض المعنى من اللفظ داعيا إلى الالتفات إليه ، والتعلق به ، والتفكر فيه خصوصا عند ما يعلم أنه صادر من أحكم الحاكمين ، وهذا التعلق باللفظ هو في حقيقته تعلق بالله عز وجل ، الذي أنزله بعلمه ، وذلك هو عين الذكر وروح العبادة . وأما المنقول ؛ فهو دلالة القرآن نفسه على انقسامه إلى محكم ومتشابه ، وجاء فيه عن المتشابه ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [ آل عمران : 7 ] والوقف هنا ضروري لأسباب : أحدها : أنه لو عطف الراسخون في العلم على اسم الجلالة للزم إما انقطاع ﴿آمنا به﴾ عما قبله ، وهو غير جائز لعدم إفادته ، وإما رجوعه إلى المعطوف والمعطوف عليه ، فيترتب عليه أن يكون الحق تعالى قائلا : ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ واعتقاد ذلك عين الكفر ورأس الضلال . ثانيها : ان مدح الراسخين في العلم بإيمانهم به دليل على أنه يختلف عن المحكم الذي فهموه ، ولو كانا سواء في فهمهم لما كان لهذا التخصيص معنى . ثالثها : نسبة الزيغ إلى الذين يريدون تأويله ولو كان كالمحكم لكان طلب معرفته موجبا للمدح لا للذم . وعزّز هؤلاء رأيهم بأنه مروي عن أجلّة الصحابة - رضوان الله عليهم - منهم الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود وابن عباس ، وهو قول جماعة من أعلام الأمة كالشعبي ، وسفيان الثوري ، والربيع بن خيثم ، وكثير من المحدثين . حجة الفريق الثاني : وأما الآخرون فاحتجوا أيضا بالمعقول والمنقول ، أما المعقول فمن وجوه : أحدها : أنه لو تعذرت معرفة شيء من القرآن على أفهام الأمة ما كانت لإِنزاله فائدة ، وكانت مخاطبة الناس به كمخاطبة العربي بالأعجمية ، أو الأعجمي بالعربية . ثانيها : أن الخطاب إنما يوجه إلى المخاطبين لأجل الافهام ، فإن تعذر فهمه عليهم جميعا فهو عبث وسفه لا يليق بمقام الربوبية . ثالثها : أن القرآن متحدًى به ولا يتحدى إلا بالمعلوم . وأما المنقول فبعضه من القرآن وبعضه من السنّة ، فمن القرآن قوله تعالى :…