Fatiha Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Necmüddin Dâye — et-Te'vîlâtü'n-Necmiyye
نجم الدين الرازي / السمناني
{ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ } * { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } * { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } * { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } * { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } * { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } قال الشيخ - رحمه الله ونفعنا به وبعلمه في الدارين -: سُمِّيت الفاتحة لمعنيين:
أحدهما: أن الله تعالى بها فتح أبواب خزائن الحقائق التي ما فتح أبوابها لأحد من العالمين على حبيبه ونبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب بعد أن أودع فيه حقائق جوامع الكلام التي أنزلها على جميع أنبيائه ورسله - عليهم السلام - يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
{ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ
} [الأنعام: 59].
والثاني: أنها هي فاتحة فتوحات هذا الكتاب بأن الله تعالى ضمَّن فيها: حقائق مراتب الربوبية ومراتب العبودية، ومراتب الأمور الدنيوية ومراتب الأمور الأخروية التي هذا الكتاب مشتمل عليها سنجمع دقائق مبانيها.
1- فمراتب الربوبية عشرة:
أولها: مرتبة الاسم؛ بأن له تعالى أسماء.
والثاني: الذات.
والثالث: الصفات.
فهذه المراتب الثلاثة حاصلة في { بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ } [الفاتحة: 1].
والرابع: الثناء.
والخامس: الشكر.
وهما حاصلان في { ٱلْحَمْدُ } [الفاتحة: 1].
والسادس: الألوهية بمعنى الخالقية، وهي حاصلة في { للَّهِ } [الفاتحة: 1].
والسابع: الربوبية بالوحدانية في الخالقية، وهي حاصلة في { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الفاتحة: 1].
والثامن: الملكية بالمالكية، وهي حاصلة في { مَـٰلِكِ } [الفاتحة: 1].
والتاسع: المعبودية بالألوهية والوحدانية، وهي حاصلة في { يَوْمِ ٱلدِّينِ } [الفاتحة: 1].
والعاشر: الهداية بالحق والإنعام من الأزل إلى الأبد، وهي حاصلة في { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } [الفاتحة: 1].
2- وكذلك في مرتبة العبودية عشرة:
أولها: معرفة الله تعالى بهذه المراتب.
والثاني: الإقرار بالربوبية لله تعالى وبعبودية نفسه له.
والثالث: معرفة النفس وخلوها عن مراتب الربوبية.
والرابع: العلم باحتياجه إلى الله تعالى واستغناء الله تعالى عنه.
والخامس: عبادة الله تعالى على ما هو أهله بأمره.
والسادس: الاستعانة بالله تعالى في عبوديته بالتوفيق والقدرة والتعلم والإخلاص.
والسابع: الدعاء بالخضوع والخشوع والشوق والمحبة، فإنه خُلق لهذا كما قال تعالى:
{ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ
} [الفرقان: 77] وقال تعالى:
{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
} [المائدة: 54].
والثامن: الطلب لوجدان الله تعالى وصفاته ونعمه، وهو المقصد الأعلى والمنية القصوى.
والتاسع: الاستهداء عنه ليُهتدَى به وينعم عليه بإرشاده طريق الهداية.
والعاشر: الاستدعاء منه بأن ينعم عليه، ويديم نعمته عليه، ولا يغضب فيرده إلى الضلالة والغواية.
وهذه المراتب كلها حاصلة في { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } إلى آخر السورة فافهم جدّاً.
3- ومراتب الأمور الدنيوية أربعة:
الملك والملك والتصرف فيهما بالملكية والمالكية، وفاتحة الكتاب مشتملة على هذه المراتب كلها كما أشرنا إلى طرف منها، وسنبينها في تفسيرها إن شاء الله تعالى، ولهذا المعنى أيضاً سُمِّيت أم الكتاب؛ لأن أم الكتاب في الحقيقة مصدر حقائق كل دين، وكتاب ومنشأ دقائق كل حكم وخطاب، كقوله تعالى:
{ يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ
}
[الرعد: 39].
وأما الحكمة في أن الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء واختياره على سائر الحروف لا سيما على الألف بأنه أسقط الألف من الـ " اسم " وأثبت مكانه الباء، وقال: { بِسمِ } فعشرة معانٍ:
أحدها: إن في الألف ترفعاً وتكبراً وتطاولاً، وفي الباء انكساراً وتواضعاً وتساقطاً، فالألف لما تكبرت وضعها الله تعالى والباء لما تواضعت رفعها الله تعالى كما ورد في الحديث:
" من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله "
وقد ورد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن يأتي الجبل ليسمعه كلامه، فتطاول كل جبل طمعاً أن يكون محلاً لموسى عليه السلام، وتصاغر طور سيناء في نفسه " متى أستحق أن أكون محلاً لقدم موسى عليه السلام في وقت المناجاة؟ " فأوحى الله تعالى إلى موسى: " أن ائتِ ذلك الجبل المتواضع الذي ليس يرى لنفسه استحقاقاً " فكذلك حال الباء مع الألف.
وثانيها: إن الباء مخصوصة بالإلصاق، وتصل كل حرف بخلاف أكثر الحروف خصوصاً الألف؛ لأن الألف مخصوصة بالقطع وتكون منقطعة عن الحروف كلها، فلما كانت الباء واصلة للرحم في الحروف وصلها الله تعالى، ولما كانت الألف قاطعة الرحم عن الحروف قطع الله معها كما روى عبد الله بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يحكي عن ربه - جل ثناؤه -:
" أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم شققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته "
حديث صحيح.
وثالثها: إن الباء مكسورة أبداً فلما كانت فيها كسرة وانكسار في الصورة والمعنى وجدت شرب العندية من الله تعالى واسمه دون الألف كما قال تعالى:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ".
ورابعها: إن في الباء وإن كانت في الظاهر تساقط وتكسر، ولكن في الحقيقة رفعة درجة وعلو همته وهي من صفات المصدقين، وفي الألف ضدها. أما رفعه درجتها فبأنها أعطيت نقطة وليست للألف هذه الدرجة، وأما علو الهمة فإنه لما عُرضت عليه النقطة ما قبلت إلا واحداً بسكون حاله كحال موحدٍ لا يقبل إلا واحداً، وعابدٍ لا يعبدُ إلا معبوداً واحداً، وقاصدٍ لا يقصدُ إلا مقصوداً واحداً ومحبٍّ لا يحبُّ إلا محبوباً واحداً.
وخامسها: إن للباء صدقاً في طلب قُربة الحق ونيل المقصود الحقيقي لا يوجد في غيرها من الحروف وذلك أنها لما وجدت درجة حصول النقطة وبلغت هذه المرتبة وضعتها تحت قدمها؛ لصدقها في طلب المقصود الحقيقي والمطلوب الأصلي، وما تفاخرت بها بل أعرضت عنها حتى بلغت مقصدها الأقصى ومقصودها الأعلى، فالباء مخصوصة من سائر الحروف بوضع النقطة تحتها ولا تناقضها الجيم وإن كانت تحتها نقطة واحدة؛ لأن نقطة الجيم في وضع الحروف ليست تحتها بل هي وسطها وكذلك الباء، وإنما موضع النقطة تحتها عند اتصالهما بحرف آخر لئلا تشبها بالخاء والثاء بخلاف الباء فإن نقطتهما موضوعة تحتها وإن كانت مفردة غير متصلة بحرف آخر.
وسادسها: إن الألف حرف العلة وهو معلول لا يتحمل الحركة، والباء حرف صحيح غير معلول يتحمل الحركة وحالهما كما أن الله عرض الأمانة على أهل السماوات والأرض من الملائكة وغيرهم
{ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ
} [الأحزاب: 72] فأمر الملائكة بالسجود له فأبى إبليس واستكبر فلعنه الله وأسقطه عن قربته وطرده عن جواره وحضرته، واصطفى آدم من بريته واجتباه لقربته وزاد في علو درجته وهداه إلى محبته ومعرفته.
وسابعها: إن الباء حرف تام متبوع في المعنى وإن كان ناقصاً منكسراً تابعاً في الصورة، والألف حرف ناقص تابع في المعنى وإن كان تاماً متبوعاً في الصورة ألا ترى أنك إذا نظرت إلى صورة وضع الحروف وجدت الألف مقدماً على الباء متبوعاً له، وإذا قلت الباء وجدت الألف تابعاً وإذا…